إيمان المخاطبين سبب لإيمان أهل الْكتَابين في الواقع لما أنه حق مطابق للواقع وإن تخلف
لقصور نظرهم وشدة شكيمتهم وفي كلمة أن نوع رمز إليه .
قوله: (من باب التعجيز والتبكيت كقَوْله تَعَالَى:(فَأْتُوا بسُورَةٍ منْ مثْله)
أي أن إيمانهم مثل إيمان الْمُسْلمينَ محال؛ لأنه مقطوع بلا وقوعه وحقه أن
يعبر بكلمة لو إذ المُتَعَارَف في فرض المحالات أن يكون بكلمة لو كما في قَوْله تَعَالَى
(ولو سمعوا) أي الأصنام ما استجابوا لكم فأشار المص إلَى أن المحال هنا
ينزل منزلة ما لا قطع لعدمه عَلَى سبيل المساهلة وإرخاء لقصد التبكيت والتعجيز فبهذا
الاعتبار يصح اسْتعْمَال أن الموضوع للشك في المقطوع بلا وقوعه، فالظَّاهر أن الْمَجَاز في
مدخولها حيث قَالُوا نزل المحال منزلة ما لا قطع بعدمه بواسطة ملاحظة التبكيت نظيره
قَوْلُه تَعَالَى: (فبشرهم) حَيْثُ ينزل التضاد منزلة التناسب فشبه إيمانهم
المماثل لإيمان أهل الْإسْلَام بالإيمان المشكوك وقوعه، فاستعمل لفظة أن الموضوعة
للثانية في الأول الذي هُوَ ملحق بالثاني بواسطة إرخاء العنان والتسامح في البيان فلا
مجاز ح في كلمة أن ولو قيل إن كلمة أن مسْتعَارَة للفظة أن بجامع أنهما للشرط وعدم
الجزم بمضمون ما دخلا عليه لم يبعد فلا مجاز ح في مدخولها لكن الْمَشْهُور هُوَ الأول
كقَوْله تَعَالَى: (فَأْتُوا بسُورَةٍ) الآية. والتشبيه في مجرد كونهما للتعجيز
والتبكيت، وإن كان الفرق بَيْنَهُمَا يكون الثاني أمرًا مَجَازًا للتعجيز بخلاف ما نحن فيه فإنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: من باب التعجيز والتبكيت. ظَاهر الآية أنهم إن آمنوا بدين مثل دين آمنتم به فقد اهتدوا
لكن الدين الذي آمنتم به هُوَ دين الْإسْلَام والتوحيد وليس له مثل فَكَيْفَ يُؤْمنُونَ بمثله؟ فأجاب عنه
بوجوه: الوجه الأول أنه من باب التبكيت أي إلزام الخصم، فقد فرض أنهم إن حصلوا دينًا مثل دين
الْإسْلَام في الصحة فقد اهتدوا، لكن من المحال تَحْصيل دين مثل دين الْإسْلَام فاستحال بغير دين
الْإسْلَام، وعلى هذا يكون آمنوا مستعملًا عَلَى التعدية، وبمثل ما آمنتم به صلته، والمثل مفعوله بواسطة
الجار، والوجه الثاني أن يجري مجرى اللازم والباء في بـ مثل للاستعانة والآلة أي إن دخلوا في
الإيمان باستعانة شيء دخلتم في الإيمان باستعانته وهو كلمة الشهادة فقد اهتدوا فـ [حِينَئِذٍ] لا يكون لفظ
المثل عَلَى قصد التعجيز والتبكيت، والثالث أن تكون الباء مزيدة للتأكيد كما في قوله عز وجل:
(جَزَاءُ سَيّئَةٍ بمثْلهَا) . والْمَعْنَى جزاء سيئة مثلها، والرابع أن يكون لفظ المثل مقحمًا
مع الدلالة عَلَى أن المتكلم له اهتمام وعناية في ترويج كلامه، وتقرير معناه في ذهن السامع ويشهد
له قراءة ابْن عَبَّاسٍ وابن مسعود رضي الله عنهما بما آمنتم به، وقراءة أبي بالذي آمنتم به .