إطلاقًا للمصدر عَلَى المفعول. قيل وهدانا عطف عَلَى قوله وهي فطرة الخ. بحسب
الْمَعْنَى كأنه قيل فطرنا الله فطرته أو هدانا هداية وليس عطفا عَلَى صبغنا الله صبغة؛ لأن
ذلك التقدير لازم عَلَى جميع الْوُجُوه .
قوله:(أو طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره، وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ
على المصبوغ)والْكَلَام فيه كالْكَلَام في هدانا في العطف عَلَى فطرة الله. الظَّاهر أن التطهير
من قبيل ضيق فم البئر، أو أعم منه بالنسبة إلَى من آمن بعد عدم الإيمان ، والفرق بين هذا
وبين قوله ( [لَوْ] هَدَانَا اللَّهُ) اعتباري لأن هداية الله تَعَالَى تطهيره الْقُلُوب
بالإيمان ذاتًا ومغايرة له اعتبارًا؛ لأنه من حيث إنه حلية للْإنْسَان هداية ومن حيث إنه تزيل
ضدها وتظهر في ظَاهر ما قامت به وتدخل في باطنه ساريًا في أعماقه تطهير كما أن الصبغة
كَذَلكَ، وإلى ذلك أشار بقوله وسماه أي التطهير صبغة اسْتعَارَة لأنه ظهر أثره أي أثر الإيمان
عليهم بأنواع القربات وأصناف الذكر والمبرات. ظهور الصّبْغ بكسر الصاد وسكون الباء ما
يصبغ به عَلَى الثوب المصبوغ ونحوه إشَارَة إلَى الجامع وهذا هُوَ الظَّاهر من كلامه. وقيل
وسماه أي سمى ما ذكر من الْمَعَاني الثلاثة صبغة، ولا يخفى بعده وإن صح في الْجُمْلَة .
قوله: (وتداخل في قُلُوبهمْ) أي الإيمان فإن محله القلب لكونه عبارة عن التصديق
والإقرار ليس ركنًا بل شرط في إجراء أحكام الدُّنْيَا أو لكونه عبارة عن التصديق والإقرار
معًا عَلَى ما ذهب إليه البعض، واختاره المص عَلَى ما فهم من كلامه فيما سلف لكن
التصديق ركن أعظم فلذا اكتفى بقوله وتداخل في قُلُوبهمْ .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: أو طهر قلوبنا وهذا أَيْضًا جار عَلَى تشبيه التطهير بالصبغ في ظهور الأثر واسْتعَارَة لفظ
المشبه به في المشبه فقوله لأنه ظهر أثره عليهم وتداخل في قُلُوبهمْ بيان للجامع .
قوله: أو للمشاكلة عطف عَلَى لأنه ظهر أثره علل اسْتعْمَال الصبغ في التطهير بعلتين: الأولى
على أصل علم البيان، والثانية عَلَى طريقة علم البديع، والمشاكلة عَلَى ما بين في علم البديع ذكر
الشيء بلفظ غيره لوقوع ذلك الشيء في صحبة ذلك الغير تحقيقًا أو تقديرًا، فالأول كقوله:
قَالُوا اقترح شَيْئًا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جُبَّة وقميصا
أي خيطوا فإنه ذكر معنى الخياطة بلفظ الطبخ لوقوع خياطة الجُبَّة في صحبة طبخ الطعام.
والثاني كقَوْله تَعَالَى: (صبْغَةَ اللَّه وَمَنْ أَحْسَنُ منَ اللَّه صبْغَةً) والأمر في ذكر
التطهير بلفظ الصبغ هَاهُنَا هُوَ أن النصارى كانوا يغمسون أولاد ثم في ماء أصفر يسمونه المعمودية
ويقولون الغمس في هذا الماء تطهير لهم فأمر الْمُؤْمنُونَ بأن يقولوا للنصارى قولوا آمَنَّا باللَّه وصبغنا
الله بالإيمان صبغة، لا مثل صبغتنا، فعبر عن الإيمان باللَّه بصبغَة الله للمشاكلة لوقوعه في صحبة
صبغة النصارى بهذه القرينة الحالية التي هي أن سبب نزول الآية هُوَ غمس النصارى أولادهم في
الماء الأصفر وإن لم يذكر ذلك لفظًا .