فهرس الكتاب

الصفحة 1893 من 10841

لكن لما كان المقصود من العقل تَحْصيل اليقين بالنظر القويم كان عقولهم بالتقليد واتباع

الغير من غير استدلال ملحقة بالمعدوم وذواتهم بالبهائم الصم، والظَّاهر أن الْمُرَاد بالعقل

الإدراك الكلي ويحتمل الْقُوَّة التي مبتدأ ذلك الإدراك والأول هُوَ الأظهر المعول، والْمُتَبَادَر

من كلامه أن منشأ سفاهتهم التقليد مع أن بعض الْيَهُود والْمُشْركينَ إنما قالوه لمجرد

الاسْتهْزَاء لا لأجل اعتقادهم حقية الْقبْلَة الأولى، فمنشأ السفاهة الطعن في الدين أَيْضًا قيل

فعلى الأول يكون من سفه سفاهة بضم الفاء تنك خردشدن، وعلى الثاني من سفه سفها

بكسر الفاء المتعدي بمعنى خوار ساختن انتهى. وكونه عطف تفسير له أولى ويؤيده وقوع

الواو بدل أو ؛ إذ المتعدي ليس بمناسب هنا. قوله يريد المنكرين لتغيير الْقبْلَة من بيت

المقدس إلَى الكعبة وسيجيء التَّفْصيل في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهكَ)

الآية. قوله من الْمُنَافقينَ والْيَهُود والْمُشْركينَ. قيل الْمُرَاد بالسفهاء هم الْيَهُود

على ما روي عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - ومجاهد قالوه إنكارًا للنسخ وكراهة

للتحويل حيث كانوا مسرورين بموافقته عَلَيْهِ السَّلَامُ لهم في الْقبْلَة، فإن بيت المقدس قبلة

الْيَهُود، وقيل هم المُنَافقُونَ وأكثرهم من الْيَهُود وسبب إنكارهم ما ذكر في إنكار الْيَهُود

المجاهرين كفرهم، وقيل هم المشركون قالوه لمجرد الطعن في الدين والاسْتهْزَاء لا

لاعتقادهم حقية الْقبْلَة الأولى وبطلان الثانية، فإنهم كانوا يقولون رغب عن قبلة آبائه ثم رجع

إليها وليرجعن إلَى دينهم أَيْضًا فاتضح ما ذكرناه من أن قوله سابقًا بالتقليد والإعراض عن

النظر وصف للكل بصفة بعضهم، ولما كان السفهاء جمعًا محلى باللام مفيدًا للعموم اختار

شموله للفرق الثلاثة، فإنهم قادحون في التحويل طرًا، وإن كان جهة قدحهم مختلفة ومن

خصص بواحدة من الفرق الثلاثة فقد اعتمد عَلَى الرّوَايَة كما في الْقَوْل الأول، أو حمل

السفهاء عَلَى السفهاء الَّذينَ هم الْمَذْكُورون في قَوْله تَعَالَى: (ألا إنهم هم السفهاء)

كما في الْقَوْل الثاني. وقال ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - والبراء بن

عازب والأصم: إنهم مشركو العرب فمن ذهب إلَى أن الْمُرَاد المشركون فقد اختار هذه

الرّوَايَة، والجمع بين الروايات أحسن الاحتمالات؛ ولهذا اختار المص العموم لئلا يلزم

الترجيح بلا مرجح، والْمُرَاد بالنَّاس الكفرة وفَائدَة ذكره التَّنْبيه عَلَى أن ذلك الْقَوْل المحكي

لم يصدر عن كل فرد فرد من تلك الطوائف الثلاثة بل عن أشقيائهم السفهاء ولو أريد بهم

طائفة مَخْصُوصة منهم ما كان لبيان كونهم من النَّاس مزيدة فَائدَة وغير سفهائهم من تلك

الطوائف الثلاثة وإن لم يرض التحويل لكنهم لا يتفوهونه والتَّعْبير بالنَّاس عن الكفرة لمزيد

تقبيح شأنهم أي مع كونهم من النَّاس ذوي العقول لم يتفطنوا الْحكْمَة في تحويل الْقبْلَة

فتجاسروا عَلَى الْقَوْل الْمَذْكُور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت