المسيح قبلة بَني إسْرَائيلَ وهي الصخرة، وإنما وضع لهم أشياخهم هذه الْقبْلَة وهم يعتذرون
عنهم بأن المسيح فرض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام وأن ما حللوه وحرموه فقد
حلله هُوَ وحرمه في السَّمَاء، فهم مع الْيَهُود متفقون عَلَى أن الله تَعَالَى لم يشرع اسْتقْبَال بيت
المقدس عَلَى الرَّسُول أبدًا والْمُسْلمُونَ شاهدون عليهم بذلك، وأما قبلة الْيَهُود فليس في
التَّوْرَاة الأمر باسْتقْبَال الصخرة ألبتة، وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث
خرجوا فإذا قدموا نصبوه عَلَى الصخرة وصلوا إليه، فلما رفع صلوا إلَى موضعه وهو
الصخرة، وأما السامرة فإنهم يصلون إلَى طورهم بالشام يعظمونه ويحجون إليه وهو في بلدة
نابلس، وهي قبلة باطلة مبتدعة انتهى. وفي هذا الْكَلَام خلل ؛ إذ ما نقله عن ابن القيم من أن
قبلة أهل الْكتَاب ليست بوحي الخ. غير تام فإنه لو سلم أن الله تَعَالَى لم يأمرهم في الْإنْجيل
[فلا يلزم] أنه تَعَالَى لم يأمرهم بالوحي الغير المتلو فإن أراد بالاجتهاد اجتهاد عيسى عليه
السلام فهو من قبيل الوحي، وإن أراد به اجتهاد أمته بعده ففي وقته عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى أي
مَوْضع يصلي وكذا الْكَلَام في كون الصخرة قبلة، فقوله وأما قبلة الْيَهُود فليس في التَّوْرَاة
الأمر باسْتقْبَال الصخرة الخ. في غاية من السخافة لأنه لا طريق إلَى اطلاع ذلك فإن التَّوْرَاة
التي في أيديهم لتحريفهم إياها لا اعتماد عليها، وأصل التَّوْرَاة غير موجودة فمن أين يعلم
ذلك، وكذا أحوال الْإنْجيل فالأحسن أن قبلة أهل الْكتَاب معلومة لنا إجمالًا حيث أخبر الله
تَعَالَى: (وَما أَنْتَ بتابعٍ قبْلَتَهُمْ) الآية. وأما تفصيلًا فلا طريق إليه لما مَرَّ من
أنه لا اعتماد عَلَى كتابهم لكونه معرفًا، وَأَيْضًا قول المص في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(لَيْسَ الْبرَّ
أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ)الآية. وقال ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ يدل عَلَى
أن لهم قبلة ثابتة بالوحي فإن النسخ مختص بحكم الشرع .
قوله: (عَلَى سبيل الفرض والتقدير أي ولئن اتبعتهم مثلا) قال النحرير التفتازاني
معنى مثلًا أن هذه الشرطية مبنية عَلَى الفرض والتقدير، وإلا فلا معنى لاسْتعْمَال أن
الموضوعة للمعاني المحتملة بعد تحقيق الانتفاء بقوله (وَما أَنْتَ بتابعٍ قبْلَتَهُمْ) يعني إن
كونه من الظَّالمينَ لا يخص متابعته، بل كل من يتبع كَذَلكَ، وإنَّمَا أسند إليه ليعلم غيره
بالطريق الأولى أو أنه ليس المقصود التَّخْصِيص بل متابعة الهوى كَذَلكَ مُطْلَقًا أي أن
التمثيل المشار إليه بقوله مثلًا إما بالنظر إلَى رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ يفيد العموم إلَى
غيره عَلَيْهِ السَّلَامُ أو بالنظر إلَى الهواء في شأن الْقبْلَة فيفيد العموم إلَى كل هوى مخالف
للشرع، وأنت خبير بأن مثل هذا محمول عَلَى التعريض كقَوْله تَعَالَى:(لَئنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ)والْمُرَاد في التعريض غير ما أسند إليه فيمكن حمل كلام المص عليه
وقول صاحب الكَشَّاف وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير الخ. يميل إلَى ما قلنا لا إلَى
ما ذكره النحرير، وأَيْضًا حسن الأدب فيما ذكرناه وما ذكره المص في قَوْله تَعَالَى: (فلا