يضره وجود الاسْتغْرَاق في مثل كل رجل ؛ إذ الماهية المأخوذة فيه لا يعتبر عهديتها
وحضورها في الذهن وإن كانت معهودة في نفس الأمر وبهذا ينكشف الْجَوَاب عن كونه
مَجَازًا كما اختاره صاحب الكَشَّاف ورضي به [مُلَّا خُسْرُو] وجه الانكشاف أن اللَّفْظ [حِينَئِذٍ]
مستعمل في معناه الموضوع له وهو الماهية بلا شرط شيء والأفراد مُسْتَفَادة من القرينة وقد
سبق أن الفرق بين ما يقصد باللَّفْظ من الإطلاق والاسْتعْمَال وبين ما يقع عليه باعْتبَار
الخارج واضح .
قوله: (إذ الحمد في الْحَقيقَة كله له) ومعنى الْحَقيقَة هنا وفي أمثاله نفس الأمر لا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: إذ الحمد في الْحَقيقَة كله له، وإنَّمَا لم يذكر علة كون التعريف فيه للمعنى وذكر علة
إفادته للاسْتغْرَاق لأن إفادة لام التعريف لمعنى الجنس بالوضع لا يحتاج في إفادتها له إلَى التعليل
بخلاف إفادتها للاسْتغْرَاق فإنها لا بالوضع بل بقرينة خارجة عن الوضع فلا بد في إفادتها
للاسْتغْرَاق من دلالة الحال أو المقال فعلل إفادتها هَاهُنَا للاسْتغْرَاق لدلالة الحال قال صاحب
الكَشَّاف والاسْتغْرَاق الذي يتوهمه كثير من النَّاس وهم منهم قال صاحب اللباب إن اللام لا يفيد
شَيْئًا سوى التعريف والاسم لا يدل إلا عَلَى نفس الماهيَّة المعبر عنها بالجنسية فإذن لا يكون ثمة
اسْتغْرَاق وقال الطيبي رحمه الله: ما أدري كَيْفَ ذهل هذا الفاضل عن كلام صاحب المفتاح من أن
الْحَقيقَة من حيث هي في صالحة للتوحد والتكثر لاجتماعها مع كل واحد منهما فإذا اجتمعت في
المفرد والجمع في المقام الخطابي حملت عَلَى الاسْتغْرَاق والحق أن الحمل عَلَى الجنس أو عَلَى
الاسْتغْرَاق إنما يظهر بحسب المقام ثم إن هذا المقام آت من الاسْتغْرَاق لأن اخْتصَاص حَقيقَة
الحمدية به تَعَالَى أبلغ من اخْتصَاص إفرادها جمعًا وفرادى لاستلزام الأول الثاني وسلوك طريقة
البرهان أفضى لحق البلاغة وأيضًا أصل الْكَلَام نحمد الله حمدًا فيكون الْمُرَاد بالحمد حمدنا
وحمدنا بعض الحمد [لا كله] وفي اخْتصَاص الجنس إشعار بأن حمد كل حامد لكل محمود حمد للَّه
على الْحَقيقَة لأنه إنما حمده عَلَى الصّفَة الْكَمَالية المفاضة عليه من الفياض الحق جل وعلا فهو
فعله عَلَى الْحَقيقَة والحمد عَلَى الْفعْل الجميل وهذا وإن لم يكن مذهب صاحب الكَشَّاف لأنه
يجعل العبد مستقلا موجدًا لفعله الاختياري جميلا كان أو قبيحًا لكن لا يمنع أن الأقدار والتمكين
من الله تَعَالَى فمن ذلك الوجه يمكنه أن يعمم الحمد ويحمله عَلَى الاسْتغْرَاق في بعض المقامات
المقتضية له وقد صرح بهذا الْمَعْنَى في أول التغابن فقال قدم الطرفين ليدل بتقديمهما عَلَى معنى
اخْتصَاص الملك والحمد باللَّه ثم قال، وأما حمد غيره فاعتداد بأن نعمة الله جرت عَلَى يده وبما
ذكرنا سقط اعتراض صاحب الفرائد بأنه قال أراد بقوله وهم منهم أن لَيسَ بعض الْحَمْدُ للَّه بناء
على مذهبه ولَيسَ كَذَلكَ فإنه لا حمد إلا للَّه تم كلامه ووجه آخر عَلَى أصله رحمه الله هُوَ أن
الحمد المستغرق لا يجوز أن يَخْتَصُّ به تَعَالَى بل الحمد الحقيقي الكامل الذي يقتضيه إجراء هذه
الصفات فاللام للحَقيقَة ويراد أكمل أنواعها فهو من باب ذلك الْكتَاب وحاتم الجواد لأنه الذي
يحق أن يطلق عليه الْحَقيقَة كأنه كل الْحَقيقَة لا لأنها للاسْتغْرَاق في المقام الخطابي .