قوله: (تعظيم الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ بابتغاء مرضاته) وهو قَوْلُه تَعَالَى:(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ
وَجْهكَ في السَّمَاء فَلَنُوَلّيَنَّكَ قبْلَةً تَرْضَاهَا)الخ. قوله تَرْضَاهَا فيه تعظيم
الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ حيث روعي رضاءه في تحويل الْقبْلَة حيث يتوقع من ربه أن يحول إلَى
الكعبة، وهذا تعظيم غاية التعظيم بإسعاف مرامه وإعطاء مسئوله ثم قال تَعَالَى:(فَوَلّ
وَجْهَكَ)الآية. وفي هذا قدم العلة عَلَى المعلول.
قوله:(وجري العادة الْإلَهيَّة عَلَى أن يولي كل أهل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها
ويتميز بها)وهو قوله (وَلكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا) عَلَى التَّفْسير الأول وهو ولكل أمة قبلة
وهو الْمُخْتَار، وأما الْمَعْنَى الثاني وهو ولكل قوم من المسلممن فلا تجري فيه هذه النُّكْتَة.
قوله: (ودفع حجج المخالفين عَلَى ما نبينه) هذا ثالث ذكر التحويل مع علته وإشَارَة
إليه عَلَى ما نبينه بقوله: والْمَعْنَى أن التولية عن الصخرة إلَى الكعبة تدفع احتجاج الْيَهُود الخ.
فالْمُرَاد بالمخالفين الْيَهُود والمشركون والمخالفة في أمر الْقبْلَة.
قوله:(وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله تقريبًا
وتقريرًا)وقرن بكل علة أي بذكر كل علة بذكر معلولها تقريبًا إلَى الفهم وتقريرًا في الذهن؛
ولهذا كرر الحكم ولم يكتف بالذكر مرة واحدة كما يقرن المدلول الواحد بالشخص بكل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: تعظيم الرَّسُول بابتغاء مرضاته. أي مرضاة الرَّسُول بإجابة مسئوله ومتمناه، وهذا مُسْتَفَاد
من قوله عز وجل: (فَلَنُوَلّيَنَّكَ قبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ) الآية.(فَوَلّ وَجْهَكَ شطر
المسجد الحرام)أراد سبحانه وتَعَالَى حصول متمناه عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فأمر
بتولية وجهه شطر قبلة يحبها، وهذا الأمر إنما هُوَ ليحصل بغيته ومطلوبه فهو تعظيم له بإجابة ما
سأله وأراده، ومعنى قوله وجري العادة الْإلَهيَّة الخ. مفاد بقوله سبحانه (وَلكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا)
ودفع حجج المخالفين مَنْطُوق قَوْلُه تَعَالَى: (لئَلَّا يَكُونَ للنَّاس عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) وفي
الكاف وهذا التكرير لتأكيد أمر الْقبْلَة وتشديده لأن النسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل
الشيطان، والحاجة إلَى التفضلة بينه وبين البداء، فكرر عليهم [ليثبتوا] ويغرموا ويجدوا أو لأنه في بكل
واحد ما لم ينط بالآخر فاختلفت فوائدها. قال شراح الكَشَّاف في بيانه علق بالأول قوله:(وإنَّ
الَّذينَ أوتوا الْكتَاب)فيَعْلَمُونَ أنه الحق يعني ما كنت تحبه وتتمناه حق وصدق
مكتوب في زبر الأولين يعلمه علماؤهم، وهو أمارة نبوتك، وعلق بالثاني قوله(وإنه للحق من
ربك)يعني ما وقع في رُوعك لم يكن من تلقاء نفسك بل كان واردًا إلهيًا وإلهامًا ربانيًا ولذلك
وافقه الأمر، وعلق بالثالث قوله (لئلا يكون) وقال بعضهم فيه ذكر ثلاث مرات للتأكيد الذي يقتضيه
المقام ولإفادة ما رتب عَلَى كل مرة فعلى الأولى تكريم للنبي عَلَيْه الصَّلَاةُ والسلام بإجابة دعائه
وإعطائه متمناه وما كان يرضاه ويراه، ثم أمر الكل باتباعه وإظهار عناد أعدائه وخيبة رجائهم فيما
كانوا يتمنون من اتباع أهوائهم، وعلى الثانية عدم تفاوت الحال بحسب السفر والحضر والتصريح
بحقية المأمور به والوعيد عَلَى من تركه، وعلى الثالثة تشريف أمته بإفراد الخطاب وتعليل الخطاب
الحكم بما رتب عليه من الحكم والمصالح هذا وعلى ما ذكروه كلام لا يحتمل المقام [إيراده] تركناه
روما للاقتصار.