يحصل به التَّنْبيه الْمَذْكُور، وأما عدم إدراكه بالعقل فلا يستفاد منه؛ إذ عدم الشعور بالشيء لا
يستلزم عدم العلم به؛ فلذا قال: وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل الوحي فيكون مما لم
تكُونُوا تَعْلَمُونَ فيظهر الارتباط التام بما قبله، والْقَوْل بأنه حيث نفى عنهم الشعور بتلك
الحياة تنبيهًا عَلَى أنه لا طريق للعقل إلَى إدراكها ضعيف؛ لأن إدراك العقل له طريق غير
الشعور كالنظر الصحيح فالحق ما ذكرناه من أنه مما لا يدرك بالفكر والنظر؛ إذ لا طريق إلَى
معرفته سوى الوحي والتعرض لنفي الشعور خاصة لأن الحياة المُتَعَارَفة مما يدرك بالشعور
وفي اللباب قال أكثر الْمُفَسّرينَ إنهم في القبر أحياء كأن اللَّه أحياهم لإيصال الثواب إليهم
وهذا دليل عَلَى أن المطيع يصل ثوابه إليه وهو في القبر؛ لأن البنية ليست شرطًا في الحياة
عندنا، ولا امتناع أن يعيد الله الحياة إلَى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء الصغيرة من
غير حاجة إلَى التركيب والتأليف انتهى. فتكون حياتهم بالجسد والروح ولكنا لا تدركها ولا
نعلم حقيقتها؛ لأنها من أحوال البرزخ لا يطلع عليها إلا بالوحي.
قوله:(عَلَى أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما
هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي)ليست بالجسد لبطلان الجسد وفساد البنية واعتدال
المزاج كذا قيل. ولا يخفى ما فيه لما عرفت من أن البنية ليست بشرط في الحياة عندنا. قال
الْمُصَنّف في سورة الفرقان: وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق الله
تَعَالَى في جهنم حياة، فترى وتتغيظ انتهى. فشرح كلامه بذلك مما لا يرضي قائله مع أنه
خلاف المذهب فإذا أمكن حياة السعير بالجسد فما ظنكم بإمكان حياة الشهداء بالجسد بلا
بنية معروفة، فقوله وهو تنبيه عَلَى أن حياتهم الخ. ممنوع والمستند ما ذكرناه، فلو قيل إن أصل
الحياة ثابت بالنص القاطع، وأما كيفيتها فلا معرفة لها، والتوقف أولى [لسلم] من الخدشة
وأقرب إلَى القاعدة.
قوله: (وعن الحسن أن الشهداء أحياء عند ربهم تعرض أرزاقهم عَلَى أرواحهم) وهذا
مما نطقت به آية سورة آل عمران، وغرضه من هذه الرّوَايَة الرد عَلَى من قال إن الْمُرَاد أنهم
سيحيون وتأييد عَلَى كونهم أحياء بالْفعْل حتى تعرض أرزاقهم عَلَى أرواحهم الخ. وأنت
خبير بأن من ذهب إلَى أن الْمُرَاد الإحياء فيما سيأتي أول كلام الحسن أَيْضًا بذلك كَيْفَ لا
وقد قال تَعَالَى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتلُوا في سَبيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عنْدَ رَبّهمْ يُرْزَقُونَ)
مع أن القائل الْمَذْكُور أوله بالإحياء في الْآخرَة وبالرزق أَيْضًا، فالأولى
أن مراده بالنقل عن الحسن التأييد لما ذكره من أن حياتهم ليست بالجسد الخ.
قوله: (فيصل إليهم الرَّوح والفرح) الرَّوح بفتح الراء الراحة والسرور. قيل ولا يأكلون
منه. قال ابن كمال باشا في سورة آل عمران والآية تدل عَلَى أن أرواح الْإنْسَان جسم لطيف
لا يفنى بخراب البدن إلَى قَوْله ويؤيده ما روى ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - أنه عليه
السلام قال:"أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي"
إلى قناديل معلقة في ظل العرش". وهذا يكذب ما قيل وكذا صرح به المص في تلك السُّورَة"