فالْحَديث الذي روي عن ابْن عَبَّاسٍ كالصريح في أن أرواحهم متعلقة بأجسام كذا قاله بعض
أرباب الحواشي، لكن قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ في أجواف طير إشَارَة إلَى أن أرواحهم تستوفي
جميع المنافع واللذات بواسطة الطير حتى تستوفي لذة الجماع، كَمَا صَرَّحَ به بعض شراح
الْحَديث، وبعد التي واللتيا الأحسن التوقف والتفويض كما بيناه آنفًا.
قوله: (كما تعرض النَّار عَلَى أرواح آل فرعون غُدُوًّا وَعَشِيًّا فيصل إليهم الوجع) عَلَى
أرواح الخ. وكذا عَلَى روح فرعون غدوا وعشيًا. أي في جميع الأوقات كما هُوَ الظَّاهر أو
الوقتين خاصة كما روى ابن مسعود - رضي الله تَعَالَى عنه -"أن أرواحهم في أجواف طير سود"
تعرض عَلَى النَّار بكرة وعشيًا إلَى يَوْم الْقيَامَة"."
قوله: (والآية نزلت في شهداء بدر) لكن لا ينافي عموم الحكم وشموله إلَى جميع
الشهداء برًا أو بحرًا من هذه الأمة إلَى قيام الساعة أو من الأمم السالفة.
قوله: (وكانوا أربعة عشر) كذا أخرجه ابن مسنده ستة من المهاجرين وثمانية من
الأنصار فمن المهاجرين أبو عبيدة بن الجراح وحمزة بن عبد المطلب [وعمر] بن أبي
وقاص وذا الشمالين بن عمرو بن نفيلة وعامر بن بكر ومهجع بن عبد الله، ومن الأنصار
سعد بن حسمة وقيس بن عبد المنذر وزبد بن الحارث وتميم بن الهمام ورافع بن المعلى
وحارثة بن سراقة ومعاذ ابن عفراء وعوف ابن عفراء رضوان الله تَعَالَى عليهم أَجْمَعينَ
وكانوا يقولون مات فلان ومات فلان، فنهى الله تَعَالَى أن يقال فيهم إنهم ماتوا كذا في
اللباب. وقيل سبعة عشر رجلا أو ستة عشر.
قوله:(وفيها دلالة عَلَى أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من
البدن تبقى بعد الموت دراكة، وعليه جُمْهُور الصحابة والتابعين)عَلَى أن الأرواح جواهر أي
أجسام لطيفة كما نقلناه عن بعض الكلمة لكنه مذهب النظام فإنه ذهب إلَى أنها أجسام
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: والآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر قيل فيه لطيفة، فإن البدر إنما يكون في
أربعة عشر [ليلة] .
قوله: وفيها دلالة عَلَى أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها ففيها دلالة عَلَى بطلان قول من
يقول الأرواح أعراض تقوم بالبدن فإذا فارقه بطلت، وفيها دلالة أَيْضًا عَلَى بطلان قول من يقول من
المعتزلة إن إثبات الحياة ونفي الموت في الآية في يوم الحساب لا قبله؛ لأن ذلك مما يحس به وأن
البنية شرط في الحياة هذا عندهم، وأما عندنا فلا يشترط ذلك لقَوْله تَعَالَى:(وَإنَّ الدَّارَ الْآخرَةَ لَهيَ
الْحَيَوَانُ)وقَوْلُه تَعَالَى: (يَوْمَ نَقُولُ لجَهَنَّمَ هَل امْتَلَأْت وَتَقُولُ هَلْ منْ مَزيدٍ)
وغير ذلك من الشواهد عَلَى ذلك، وجاء في الْحَديث"أن أرواح الشهداء"وفي رواية"أرواح"
الْمُؤْمنينَ في أجواف طيور خضر تدور في أنهار الجنة تأكل ثمارها". وجه دلالة الآية عَلَى بطلان هذا"
الْقَوْل اسمية الْجُمْلَة الدَّالَّة عَلَى الاسْتمْرَار المستوعب للأزمنة من وقت النقل إلَى ما لا آخر له.