لطيفة سارية في البدن سريان ماء الورد أو أجزاء، وجواهر لا تتجزأ في القلب، واختاره ابن
الراوندي وكلام المص يحتملهما. قوله قائمة لأنفسها تأكيد لجواهر احترازًا عن كونها جواهر
حالة في جواهر أخر كالصورة الجسمية لحالة في الهيولى، كما هُوَ مذهب الفلاسفة لكن لا
حاجة إليه لأن ما ذهب إليه الفلاسفة باطل مغاير لما يحس به من البدن بيان لما أي مغايرة
للهيكل المحسوس كما ذهب إليه بعضهم من أن الروح عبارة عن الهيكل الْمَخْصُوص، ولم
يرض به المص لكنه قدس سره. قال في شرح المواقف وهو الْمُخْتَار عند جُمْهُور الْمُتَكَلّمينَ
وفي فيه شبهة أوضحتها في سورة آل عمران تبقى بعد الموت أي بعد مفارقتها عن
الأبدان؛ إذ الموت مفارقة الروح عن البدن دراكة، ودلالة الآية الْمَذْكُورة عَلَى كونها كَذَلكَ
غير ظاهرة، وإنما دلالتها عَلَى بقائها وعدم فنائها بخراب البدن فيضم قوله(عند ربهم
يرزقون)إليه كما في سورة آل عمران. وقيل وجه الدلالة أنه أثبت لهم
الحياة وهي ليست بالجسد فتعين كونها بالروح وحياة الروح بدون الجسد مستلزم قيامها
بنفسها وهو المذهب الحق خلافًا لمن ذهب إلَى أنها أعراض والخلاف فيها معروف انتهى.
وقد عرفت ما فيه وما عليه؛ إذ البنية ليست بشرط في الحياة عند أهل الحق، وقد اعترف
المص به أَيْضًا في سورة الفرقان فلم لا يجوز أن يعيد الله تَعَالَى إلَى الأجزاء الصغيرة بلا
حاجة إلَى التركيب غاية الأمر إن الآية الكريمة تحتمل ما ذكره فالدلالة ظنية لا قطعية.
قوله: (وبه نطقت الآيات والسنن) أي دلت عليه ومن جملتها هذه الآية. والآية التي
في أواخر سورة آل عمران، وقد عرفت عدم قطعيتهما في المطلب.
قوله:(وعلى هذا فتَخْصيص الشهداء لاخْتصَاصهم بالقرب من للَّه ومزيد البهجة
والكرامة)أي لما كانت الأرواح جواهر قائمة بأنفسها فكل مؤمن كَذَلكَ(أَحْيَاءٌ عنْدَ رَبّهمْ
يُرْزَقُونَ)فأَشَارَ إلَى وجه التَّخْصِيص بأنه وإن كان مشتركًا بين الكل
لكن الشهداء لاخْتصَاصهم بالقرب من الله تَعَالَى خصوا بالذكر كأن حياة غيرهم بالنسبة إلَى
حياتهم كلا حياة، لعل وجهه أنهم لما اختاروا زوال حياتهم الفانية لإعلاء كلمة الله العالية
جوزوا بالحياة الباقية النافعة الجامعة لأنواع الراحة والمسرة، وأما سائر الصديقين والصَّالحينَ
فانتفاعهم بالحياة في عالم البرزخ يجوز أن يكون منحطًا عن حياة الشهداء وإن كانت
درجتهم في الجنة والنشأة الْآخرَة أرفع من الشهداء؛ لأن المفضول قد يكون له فضل عَلَى
الفاضل بسَبَب من الْأَسْباب المرجحة، وقد عرفت أنهم بذلوا مهجهم في إعلاء دينهم فيكون
له مزيد البهجة والكرامة قبل الْقيَامَة، فلا إشكال في كلام المص بأن الصديقين وبعض