فهرس الكتاب

الصفحة 2015 من 10841

أنه مقابل لما يستطيبه الشرع أي ما تستطيبه الشهوة المستقيمة وإن لم يستطيبه الشرع ولا

يخفى ما فيه والْقَوْل بأن الْمُرَاد بالحلال ما نص الشارع عَلَى حله، وبهذا ما لم يرد فيه نص

ولكنه مما يستلذ ويشتهيه الطبع المستقيم ولم يكن في الشرع ما يدل عَلَى حرمته كإسكار

وضرر لا يخلو عن كدر؛ لأن الحاكم في الأحكام الشرعية هُوَ الشارع لا سيما عند الأشعري

ومنهم المص فإن عندهم لا يعرف بالعقل حسن الأشياء وقبحها فضلًا عن الحكم بهما.

وعندنا هما يعرفان عقلًا في الأمور لكن لا يحكم بهما وهذا ظاهره ملائم لما ذهب إليه

المعتزلة من أنهما يعرفان عقلًا ويحكم بهما. وقيل في دفعه ويمكن دفعه بأن الحلال كان

مثبتًا في الشرع وحرمة الأكل بلا شهوة صادقة مما يعرف بهذه الآية. ولا يخفى ما فيه.

والأولى كون أو بمعنى الواو فـ [حِينَئِذٍ] يكون الْمَعْنَى كلوا مما في الْأَرْض حلالًا مع كونه طيبًا

تستطيبه الشهوة المستقيمة تحريضًا للأنفع فإن الحلال إذا كان مما تستحسنه الشهوة الصادقة

يكون نفعه أوفر ثم إن استطابة الشهوة قد تكون من خلو المعدة عن الأطعمة فـ [حِينَئِذٍ] يكون

ترغيبًا للأكل حين الجوع وتحذيرًا عنه وقت الشبع، وقد يكون من تحقق كمال اللذة في

الأطعمة النفيسة فـ [حِينَئِذٍ] يكون حثًا عَلَى تناول الأطعمة النفيسة ولو في بعض الأحيان ؛ إذ اعتياد

ذلك يورث الغفلة في الجَنان فيكون ردًا بليغًا لمن حرم عَلَى نفسة الأطعمة النفيسة الشهية

ولعل الجمع بين الحلال والطيب للإشَارَة إلَى هذا وإيراد المص لفظة (أَوْ) للتنبيه عَلَى أن كل

صفة عَلَى حيالها مستقل في إباحة الأول وإن لم يمكن الانفكاك بَيْنَهُمَا في الشرع والشهوة

توقان النفس إلَى الأمور المستلذة واستقامتها كما أشرنا إليه بخلو المعدة عن الطعام

والمزاج عن السقم والآلام فإن السقيم وممتلئ المعدة لا اعتداد بهما، فإن الأول قد ينكر

طعم السكر والماء العذب من سقم والثاني قد يستكره بهما لامتلاء المعدة ومن اعتاد

اسْتعْمَال الكريهة البشيعة فقد خرج شهوته عن الاستقامة فلا يعبأ باستطابته واستكراهه .

قوله: (لا تقتدوا به في اتباع الهوى) إشَارَة إلَى أن اتباع الخطوات كناية عن الاتباع

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *

الطيب بما تستطيبه الشهوة المستقيمة من حيث إنه لو لم يضر به بل فسر بما يستطيبه الشرع لزم

التكرار لأن الحلال لا يكون إلا طيبًا، ولمن فسره بالأول حمله عَلَى التَّأْكيد كقَوْله تَعَالَى:(وَمَا منْ

دَابَّةٍ في الْأَرْض وَلَا طَائرٍ يَطيرُ بجَنَاحَيْه)، (وَلَا تَنَابَزُوا بالْأَلْقَاب) .

وكقول العرب: رأيته بعيني وسمعته بأذني .

قوله: لا تقتدوا له في اتباع الهوى. يعني أصل المقصود النهي عن اقتداء الشَّيْطَان في فعل

المحظورات والمحرمات التي منعها الشرع من أن تفعل لكن ترك أصل الأسلوب الدال عَلَى ذلك

وعدل عنه إلَى أسلوب آخر للتمثيل وتصوير المعقول بصورة المحسوس فإن معنى ولا تتبعوا

خطوات الشَّيْطَان من حيث الظَّاهر [ولا تقتفوا أثر] أقدام المشيطان ولا تذهبوا عقيبه ،وليس المقصود

هذا الْمَعْنَى الظَّاهر بل الْمُرَاد ما ذكره وهو النهي عن اقتدائه في اتباع الهوى فإنه مثل أن يقال

للمتردد في أمر بين أن يفعل وأن لا يفعل إني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، والْمُرَاد إني أراك

مترددًا في أمرك، والغرض من العدول عنه تصوير المعقول في صورة المحسوس للتقرير والتثبيت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت