ما ذكر. وقيل الأول ما لا حد فيه من أصناف المناهي والثاني ما شرع فيه الحد كالزنا
والسرقة وقذف المحصنة وشرب الخمر وقتل النفس وإن لم يشرع فيه الحد لكنه شرع فيه
القصاص، وقد يطلق الحد عليه وعلى كلا التقديرين العطف لاخْتلَاف الذاتين أما في الثاني
فعطف المباين عَلَى المباين، وأما في الأول فعطف الخاص عَلَى العام كما عرفت مرض
الوَجْهَيْن مع أن العطف فيهما في بابه؛ لأن التَّخْصِيص لا يلائم اسْتعْمَالهما في مواضع من
الْقُرْآن لأن قَوْلُه تَعَالَى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيّئَةً) الآية. وقوله:(إنَّ الْحَسَنَات
يُذْهبْنَ السَّيّئَات)عام لجميع المعاصي والفواحش في قَوْله تَعَالَى:(قُلْ إنَّمَا
حَرَّمَ رَبّيَ الْفَوَاحشَ)الآية. تعم إلَى جميع المعاصي، إلا أن يقال إن مراد
من فرق بَيْنَهُمَا إثبات الفرق بَيْنَهُمَا حين الاجتماع في الذكر، ويؤيد ما ذكرناه أن المص خص
الفحشاء في قَوْله تَعَالَى: (وَيَنْهَى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر وَالْبَغْي) الإفراط في
مشايعة الْقُوَّة الشهوية كالزنا فإنه أقبح أحوال الْإنْسَان وأشنعها فللفرق حين المقابلة وجه
وجيه؛ ولذا جوزه وإن مرضه والفرق عَلَى غير ما ذكر كعكسه وإن كان ممكنًا لكن بينه كل
منهما لدليل لاح له أو لرعاية أصل معنى اللَّفْظ.
قوله: (كاتخاذ الأنداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات) فحِينَئِذٍ يكون من أقبح
أنواع السيئات فعطفه عطف الخاص عَلَى العام للمُبَالَغَة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
وتواليها في الخارج فثبت أنها في أنفسها حروف وأصوات خفية، وثانيها أن فاعل هذه الخواطر من
هو إما عَلَى أصلنا فإن خالق الحوادث بأسرها هُوَ الله تَعَالَى فالأمر ظاهر، وأما عَلَى أصل المعتزلة
فهم لا يقولون بذلك، وأَيْضًا فلأن المتكلم عندهم من فعل الْكَلَام فلو كان فاعل هذه الخواطر هُوَ
الله تَعَالَى وفيها ما يكون كذبًا لزم كون الله مَوْصُوفًا بذلك تَعَالَى عنه، ولا يمكن أن يقال: إن فاعلها
هو العبد لأن العبد قد يكره حصول تلك الخواطر ويحتال في دفعها عن نفسه مع أنها ألبتة لا تندفع
بل ينجر البعض إلَى البعض عَلَى سبيل الاتصال فإذن لا بد هَاهُنَا من شيء آخر وهو إما الملك وإما
الشَّيْطَان فلعلهما يتكلمان بهذا الْكَلَام في أقصى الدماغ أو في القلب حتى إن الْإنْسَان وإن كان في
غاية الصمم فإنه يسمع هذه الحروف والأصوات ثم إن قلنا إن الشَّيْطَان والملك ذوات قائمة
بأنفسها غير متحيزة ألبتة لم يبعد كونها قادرة عَلَى مثل هذه الأفعال وإن قلنا بأنها أجسام لطيفة لم
يبعد أَيْضًا أن يقال إنها وإن كانت لا تنفذ في بواطن البشر إلا أنهم يقدرون عَلَى إيصال هذا الْكَلَام
إلى بواطن البشر ولا يبعد أن يقال أيضًا إنها لغاية لطافتها تقدر عَلَى النفوذ في مضائق باطن البشر
ومخارق جسمه ويوصل الْكَلَام إلَى أقصى قلبه ودماغه ثم إنها مع لطافتها كون مستحكمة الترتيب
بحَيْثُ يكون بعض اتصال أجزائه بالبعض اتصالًا لا ينفصل، فلا جرم لا يقتضي نفوذها في هذه
المضائق والمخارق انفصالها وتفرق أجزائها وكل هذه الاحتمالات مما لا دليل عَلَى فسادها والأمر
في معرفة حقائقها عند الله تَعَالَى ومن الصوفية والفلاسفة من فسر الملك الداعي إلَى الخير بالقوة
الْعَقْليَّة وفسر الشيطان الداعي إلَى الشر بالْقُوَّة الشهوانية والغضبية، وقال الإمام: دلت الآية عَلَى أن