الكتمان) أي ذلك العذاب بالنَّار المنفهم من العبارة ولم يقل ذلك النَّار؛ لأن النَّار مؤنث
معنون وإيثار صيغة البعد لبيان عظيم العذاب بسَبَب أن الله نزل الْكتَاب أي التَّوْرَاة أو الْقُرْآن
أو كلاهما بناء عَلَى أن اللام للجنس أو للعهد. وقوله فرفضوه بالتَّكْذيب أي بالْقُرْآن أو
الكتمان أي التَّوْرَاة يؤيد عهديته وهذا القيد منفهم مما بعده والسببية بالنسبة إليه لكنه
لظهوره ولأن إنزال الْكتَاب ليس سببًا للعذاب، فالقرينة كنارٍ عَلَى علم عَلَى المراد، والْمُرَاد
بالسبب هنا سبب سبب العذاب ؛ إذ استحقاقهم بالعذاب بسَبَب الكتمان والاشتراء؛ لأن الله
تَعَالَى نزل الْكتَاب ملتبسا بالحق. أي بالْحكْمَة المقتضية لإنزاله فكتموه أو كذبوه فكتمان
الْكتَاب وتَكْذيبه أعظم المعاصي وعن هذا استحقوا العذاب العظيم والحرمان عن الثواب
المقيم. وحاصله أنه بيان لعلية العلة. والْمَعْنَى ذلك العذاب المسبب عن الكتمان والاشتراء
الخسران بسَبَب أن الله نزل الخ. فاللام في العذاب للعهد، والمعهود ما ذكرناه فعلم مما ذكر
أن الْمُصَنّف جعل وإِنَّ الَّذِينَ اختلفوا. عاطفة بما قبله، والْجُمْلَة جملة تذييلية مسوقة لبيان
شناعة علماء الْيَهُود؛ لأنه أقوى في ذمهم، ولم يجعل حالًا قيدًا للكلام المتقدم والسببية
راجعة إلَى ذلك القيد؛ لأن الذم بالوصفين أبلغ من الذم بوصف واحد، وكذا جعل الأمرين
سببًا أقوى من الأمر الواحد .
قوله: (اللام فيه إما للجنس واخْتلَافهم إيمانهم ببعض كتب الله تَعَالَى وكفرهم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
وإِنَّ الَّذِينَ اختلفوا فيه من الْمُشْركينَ فقال بعضهم سحر وقال بعضهم شعر وبعضم أساطير(لفي
شقاق بعيد)يعني أن أُولَئكَ لو لم يختلفوا أو لم يشاقوا لما جسر هَؤُلَاء أن يكفروا .
قوله: وكفرهم. أي كفر الْيَهُود عطف عَلَى قوله ذلك العذاب، فقد سبق أنهم اشروا الضلالة
بالْهُدَى وهو كفرهم والعذاب بالْمَغْفرَة فذلك إما إشارة إلَى الأقرب وهو عذابهم المدلول عليه
بقوله والعذاب بالْمَغْفرَة أو إلَى الأبعد وهو كفرهم المفهوم من قوله:(أُولَئكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا
الضَّلَالَةَ بالْهُدَى)فعلى الأول الَّذينَ اختلفوا في الْكتَاب هم الْيَهُود وضع مَوْضع
ضميرهم والتعريف في الْكتَاب للجنس وعلى الثاني التعريف في الْكتَاب للعهد وهو الْقُرْآن والَّذينَ
اختلفوا هم المشركون وعلى الوَجْهَيْن الْكَلَام مع الْيَهُود أي في حقهم، وأُولَئكَ إشَارَة إلَى المشركين
وهَؤُلَاء إشَارَة إلَى الْيَهُود والمشركون كانوا في مكة [والمدينة] أكابر بالنسبة إلَى الْيَهُود فهم لما اختلفوا
في الْقُرْآن جسر الْيَهُود عَلَى الكفر وقَالُوا نحن أولى أن نكفر به؛ لأنه نقيض كتابنا، وقيل عَلَى الأول
الْكَلَام مع الْيَهُود خاصة، واللام في الْكتَاب للجنس وعلى الثاني الْكَلَام مع الْيَهُود والمشركين
والتعريف للعهد والمعهود الْقُرْآن والَّذينَ اختلفوا المشركون وذلك لأن المشركين لم يختلفوا إلا
في الْقُرْآن، وأما أهل الْكتَاب فقد بنوا الْقَوْل ببطلانه ولا يختلفون في أنه سحر أو شعر أو أساطير
الأولين بل قطعوا بأنه باطل. قوله والخطاب لأهل الْكتَاب اختلف في الخطاب بقوله إن تولوا فقيل
إنه لأهل الْكتَاب. وقيل عام للمسلمين ولهم جَميعًا، ودليل الأول قوله فإنهم أكثروا الخوض وهو
يشير إلَى سبب النزول والْكَلَام مستطرد كأنه لما ذكر اخْتلَافهم في الأمر وهو جنس الْكتَاب
السماوي أو الْقُرْآن ذكر اخْتلَافهم في الفرع وجعله خاتمة القصة ودل به عَلَى أن قولهم في أمر
الْقبْلَة سفه .