والصدقة للأغنياء هبة تعتبر فيه شروط الهبة دون الصدقة. والقربى مصدر كالرجحى وألفه
للتأنيث ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان بالقرابة، وإنما جمع ذو هنا لأنه يراد به
جميع الأقارب، وأفرد فيما سبق في قَوْله تَعَالَى: (وبالوالدين إحسانًا وذي القربى)
لأن إضافته إلَى المصدر تغني عن صيغة الجمع إلا إذا أريد به الأنواع
فيجمع كما هنا ، فأريد الوارث وغيره والمحرم وغيره .
قوله:(وقدم ذوي القربى لأن إيتاءهم أفضل كما قال عليه الصلاة والسلام «صدقتك على
المسكين صدقة وعلى ذوي رحمك اثنتان، صدقة وصلة)ثم قدم اليتامى الَّذينَ هم غير
الأقارب فإن إيتاتهم أهم أَيْضًا ؛ إذ ليس لهم من يقوم بمؤنتهم. قال عَلَيْهِ السَّلَامُ:"أنا وكافل"
اليتيم كهاتين في الجنة". وأشار بهاتين إلَى الإصبعين، ثم قدم المساكين الَّذينَ هم غير الأقرباء"
واليتامى بمعونة المقابلة حيث إذا قوبل العام بالخاص يراد به ما وراء الخاص؛ لأن الحاجة
قد اشتدت لهم حيث كان احتياجهم لذاتهم بعدم فقدان المال بالمرة بخلاف ابن السبيل فإن
له مالًا في وطنه لا معه، وبهذا البيان انكشف وجه التعميم بعد التَّخْصِيص، ثم ابن السبيل
لأنه منقطع عن ماله وأهله فهو أحرى بالإحسان إليه .
قوله:(جمع المسكين وهو الذي أسكنته الخلة وأصله دائم السكون كالمسكير لدائم
السكر)المسكين مفعيل من السكون كأن الفقر أسكنه ولهذا وهو الذي أسكنته الخلة
بحَيْثُ لا حراك به وفيه مُبَالَغَة فإن السكون حَقيقَة ليس بمتحقق؛ ولذا قَالَ فيما مَرَّ كان الفقر
أسكنه أو دائم السكون إلَى النَّاس. أي الميل إليهم. والخَلة بفتح الخاء الفقر والاحتجاج
وظَاهر كلامه أن المسكين مَن لا شيء لهـ وقد قال في قَوْله تَعَالَى:(أَمَّا السَّفينَةُ فَكَانَتْ
لمَسَاكينَ)الآية. وهو دليل عَلَى أن المسكين يطلق عَلَى من يملك شَيْئًا وهو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو الذي أسكنه الفقر. وفي الكَشَّاف والمسكين الدائم السكون إلَى النَّاس؛ لأنه لا
شيء له. قوله لأنه لا شيء له هُوَ قول أبي حنيفة رحمه الله لقَوْله تَعَالَى (أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ)
وعند الشَّافعي رحمه الله هُوَ الذي يقدر عَلَى ما يقع موقعًا من كفايته ولا يكفيه لقوله
تَعَالَى: (أَمَّا السَّفينَةُ فَكَانَتْ لمَسَاكينَ يَعْمَلُونَ في الْبَحْر) ثم المساكين ضربان منهم
يكف عن السؤال وهو الْمُرَاد هَاهُنَا ، ومنهم من يسأل وهو الْمُرَاد بقوله (والسائلين)
وإنَّمَا فرق الله تَعَالَى بينهما من حيث إنه يظهر عَلَى المسكين المسكنة بما يظهر من حاله وليس
كَذَلكَ السائل لأنه بمسألته يعرف فقره وحاجته .