علي الفارسي أنه إذا ذكرت صفات في معرض الدم أو المدح فالأحسن أن يخالف
إعرابها؛ لأن المقام يقتضي الْإطْنَاب فإذا خولف في الإعراب كان المقصود أكمل لأن
الْمَعَاني عند الاخْتلَاف تتنوع وتتفنن وعند الاتحاد يكون نوعًا واحدًا فقوله
(والصابرين) صفة مقطوعة من مَوْصُوفه وهو الموفون بالواو مرفوع
كقوله (من آمن) والقطع جائز وإن كان نعتًا أول، كقَوْله تَعَالَى:(وَامْرَأَتُهُ
حَمَّالَةَ الْحَطَب)والقطع في النكرة بالواو الدَّالَّة عَلَى القطع والفصل جائز
وكذا في المعرفة يجوز القطع مع الواو نصبته أو رفعته فما قيل إن المشهور في النصب
أو الرفع عَلَى المدح هي الصفات المقطوعة ولم نجد ذلك مبينًا في الْمَعْطُوف وإن
أخذناه من هذا المَوْضع فقد قيل إنه من قلة الاطلاع، وهذه المسألة مسطورة في متن
المفصل، وقد قيل إن كل ذلك منصوص في الرضي .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
ما أقول: رجل عالم ولقَوْله تَعَالَى(إنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحَات إنَّا لَا نُضيعُ أَجْرَ مَنْ
أَحْسَنَ عَمَلًا)ثم قال (أُولَئكَ) ففصل بين المبتدأ والخبر بقوله (إنَّا لَا نُضيعُ)
قلنا الموصول مع الصلة كالشيء الواحد بالتعلق الذي بَيْنَهُمَا أتم من التعلق
الذي بين المبتدأ والخبر، فلا يلزم من جواز الفصل بين المبتدأ والخبر جوازه بين الموصول
والصلة الْقَوْل الثاني من قول الفراء إنه نصب عَلَى المدح وإن كان من صفة من، وإنما رفع
الموفون ونصب الصابرين لطول الْكَلَام بالمدح والعرب تنصب عَلَى المدح والذم إذا طال
الْكَلَام بالنسق في صفة الشيء بالواحد وأنشد القراء
إلَى المَلك القَرْم وَابْن الهُمَام... وَلَيْثَ الكَتيبَة في المُزْدَحَمْ
وقَالُوا فيمن قرأ (حَمَّالَةَ الْحَطَب) بنصب حَمَّالَةَ أنه نصب عَلَى الذم. قال أبو
علي الفارسي: وإذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح فالأحسن أن يخالف بإعرابها ولا
يجعل كلها جارية عَلَى مَوْصُوفها لأن هذا المَوْضع من مواضع الْإطْنَاب في الوصف والإبلاغ في
الْقَوْل فإذا خولف بإعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن الْكَلَام عند اخْتلَاف الإعراب يصير
كأنه أنواع من الْكَلَام وضروب من البيان وعند الاتحاد في الإعراب يكون وجهًا واحدًا وجملة
واحدة ثم اختلف الكوفيون والبصريون في أن المدح والذم لما صارا علتين لاخْتلَاف الحركة فقال
الفراء أصل المدح والذم من كلام السامع وذلك أن الرجل إذا أخبر غيره فقال له قام زيد فربما
أثنى السامع عَلَى زيد وقال ذكرت والله الظريف ذكرت العاقل أي هُوَ والله العاقل فأراد المتكلم أن
يمدحه بمثل ما مدحه به السامع فجرى الإعراب عَلَى ذلك. وقال الخليل المدح والذم بنصبان عَلَى
معنى أعني الظريف وأنكر الفراء ذلك لوَجْهَيْن: أحدهما أن أعني إنما يقع تفسيرًا للاسم المجهول
والمدح يأتي بعد المعروف الثاني أنه لو صح ما قاله الخليل لصح أن يقال قام زيد أخاك عَلَى
معنى أعني أخاك وهذا مما لم يقله العرب أصلًا. وقال أبو عبيدة نصبها عَلَى تطاول الْكَلَام ومن
شأن العرب أن تغير الإعراب إذا طال الْكَلَام والنسق ومثله في سورة النساء(وَالْمُقيمينَ
الصَّلَاةَ)وفي سورة المائدة (والصابئون والنصارى) وقال الخليل نصب عَلَى المدح والذم
كأنهم يُريدُونَ إفراد الممدوح والمذموم فلا يتبعونه أول الْكَلَام وينصبونه فالمدح كقوله
(وَالْمُقيمينَ الصَّلَاةَ) والذم كقوله (مَلْعُونينَ أَيْنَمَا ثُقفُوا) .