لا يسقط بالقصاص في الدُّنْيَا وهذا هُوَ الظَّاهر الموافق لقَوْله تَعَالَى:(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمنًا
مُتَعَمّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالدًا فيهَا)الآية. والتَّفْصيل في شرح البخاري للعيني
والقسطلاني في حديث المبايعة ليلة العقبة، والمص مال إلَى قول من قال إن حق المقتول
يصل إليه بقتل القاتل لأحاديث تدل عَلَى ذلك فزيفه لما ذكرنا. وقال القاضي عياض ومنهم
من وقف. وقيل، مرضه لأن الخطاب [حِينَئِذٍ] يَخْتَصُّ بالقائلين، والظَّاهر أنه عام وعلى الوَجْهَيْن
الْجُمْلَة مَعْطُوفة عَلَى قوله (كُتبَ عَلَيْكُمُ) والمقصود هنا توطين النفس عَلَى
انقياد حكم القصاص لكونه شاقًا عَلَى النفس أو امتنان [بتضمنه] المنحة العظيمة وإن كان
ظاهره المحنة الجسيمة، ثم الأحسن أن يكون الْجُمْلَة ابتدائية سيقت لبيان محاسن القصاص
إثر بيان وجوبيته؛ إذ الْمَعْنَى يكون في صورة العطف (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا)
(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولي الْأَلْبَاب) وهذا كما ترى.
قوله: (وَقُرئَ في القَصص أي فيما قص عليكم من حكم لقتل حياة) بفتح القاف
والصاد الأولى مصدر بمعنى الْمَفْعُول ولذا قال أي فيما قص عليكم.
قوله: (أو في الْقُرْآن حياة للقلوب) فيكون أَيْضًا بمعنى الْمَفْعُول والفرق أن الأول
خاص والثاني عام، وجوز في هذه القراءة أن يكون مصدرًا. أي القصاص وهو الأفق للقراءة
الأولى لكن أخَّره لأنه حِينَئِذٍ لا يظهر ارتباطه إلَى ما قبله وينتفي بعض الْوُجُوه المستدعية
للبلاغة وحمل الحياة عَلَى الْمَجَاز مع إمكان الْحَقيقَة.
قوله: (ذوي العقول الكاملة ناداهم لتأمل في حكمة القصاص) خصهم بالنداء لأنهم
أهل التأمل في حكمة ما شرع الله تَعَالَى لعباده، وفيه إشَارَة إلَى أنه كلام مبتدأ غير مَعْطُوف
على (كُتبَ) .
قوله: (من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس) أي استبقاؤها في الأبدان وإلا فلا فناء
في الأرواح وحفظ النفوس عطف تفسير له؛ إذ النفوس هي الأرواح وإن أريد بها الأبدان
فيكون تأسيسًا.
قوله: (أي في المحافظة عَلَى القصاص والحكم به والإذعان له) فيكون الْمُرَاد بالتَّقْوَى