قوله: (كما نسخ قرينه) وهو قَوْلُه تَعَالَى: (وَعَلَى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فدْيَةٌ طَعَامُ مسْكينٍ)
بقوله: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) عَلَى وجه كَمَا سَبَقَ
تحقيقه فأُعيد ذكر قوله: (وَمَنْ كَانَ مَريضًا) الآية. دفعًا لذلك التوهم وفي كلامه تلويح
إلى رد من تمسك بهذا عَلَى أن الْمُرَاد بالأيام المعدودات غير رمضان وإلا لزم تكرار قوله:
(وَمَنْ كَانَ مَريضًا) الآية. وقد سبق بيانه .
قوله: (أي يريد أن ييسر عليكم) أشار به إلَى أن الإرادة كما تعلق بفعل العبد وهو
الْمَذْكُور في الْقُرْآن ؛ إذ اليسر والعسر صفتان لفعل العبد يتعلق بفعل ذاته وهو التيسير
والتعسير وهو منشأ إرادة اليسر والعسر، وإنما اختاره في تفسيره ليفرع عليه قوله فلذلك أباح
الفطر الخ. والإباحة الْمَذْكُورة إثر إرادة التيسير، والبعض ذهب إلَى أنه أشار بذلك إلَى أن
العسر واليسر مصدران بحذف الزوائد من التفعيل، وفيه رد لاستدلال المعتزلة بهذه الآية
على أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله تَعَالَى وذلك لأن المريض والمسافر إذا صاما حتى
أجهدهما الصوم فقد فعلا خلاف ما أراده إرادة اليسر، وحاصل الرد أن اللَّه تَعَالَى أراد التيسير
وعدم التَّعْسير في حقهما بإباحة الفطر وقد حصل بمجرد الأمر بقوله:(فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ
أُخَرَ)من غير تخلف انتهى. وإذا صاما أي المسافر والمريض بحَيْثُ أجهدهما الصوم صار
الصوم الْمَذْكُور مقدور العبد كسبًا ويترتب عليه مقدور الله تَعَالَى خلقًا، ففي هذه الصورة لم
يتحقق إرادة اليسر لعدم إرادته العبد ؛ إذ قد عرفت أن خلق الله تَعَالَى يترتب عَلَى كسب العبد
كَمَا صَرَّحَ به صاحب الدرر في بحث عتق البعض، فإرادة الله تَعَالَى أَيْضًا تترتب عَلَى إرادة
العبد بجري العادة، فلا وجه للعدول عن ظَاهر النظم لدفع إشكال المعتزلة عَلَى أصولهم
الفاسدة. قوله وقد حصل التيسير بمجرد الأمر الخ. إن أراد به التيسير حَقيقَة فغير مسلم ؛ إذ
التيسير مطاوع لا يتحقق حقيقية بدون اليسر الذي هُوَ مطاوعه، كما لا يتحقق الكسر الحقيقي
بدون انكسار، وإن أراد به الْمَعْنَى المجازي وهو الأمر كما يشعر به قوله وقد حصل بمجرد
الأمر بقوله (فَعدَّةٌ منْ أَيَّامٍ) الخ. فلا يفيد عَلَى أنه يستلزم تفسير الإرادة
بالأمر من حيث لا يشعر، وقد رد هذا القائل أبا حيان في تفسير الإرادة بالطلب حيث قال:
وهذا ليس بشيء. أما أولًا فلأنه التزام لمذهب الاعتزال من أن إرادته لأفعال العباد عبارة عن
الأمر، وأما ثانيًا فلأنه تَعَالَى ما طلب منا اليسر بل شرع لنا اليسر انتهى. ويرد عليه ما أورده
على أبي حيان حيث قال: وقد حصل بمجرد الأمر مع أن النظم ناطق بالإرادة فحمل الإرادة
على الأمر، وتابع أبو حيان بسَبَب النسيان. فالمخلص ما ذكرنا عَلَى أصول أهل السنة ويندفع
الإشكال بالمرة .
قوله: (ولا يعسر) عطف عَلَى يريد أن ييسر مرفوع لا منصوب عطفًا عَلَى أن ييسر