بالمباشرة [الوطء] وعن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلَى امرأته فيباشرها ثم يرجع فنهوا
عن ذلك) معنى العكوف الإقامة وهي عام، والْمُرَاد هنا الإقامة واللبث في المسجد فسره
بمعتكفون؛ ولهذا قال والاعتكاف هُوَ اللبث في المسجد بقصد القربة فيكون أخص من
العكوف من وَجْهَيْن، لكن ذكر المساجد بعده إما للتأكيد أو للتجربد وقيد قصد القربة مُسْتَفَاد
من النهي ؛ إذ النهي عن الجماع المشروع لأجل كون ذلك اللبث لأجل نية الْعبَادَة وقصد
القربة وعاكفون إما حَقيقَة أو مجاز كسائر اسْتعْمَال لفظ العام في الخاص. قوله بالمباشرة
الوطء أي كناية عن [الوطء] وكذا يحرم الدواعي بدلالة النص .
قوله: (وفيه دليل عَلَى أن الاعتكاف يكون في المسجد) أي أن الاعتكاف مختص
بالمسجد فلا يجوز للرجل في غيره بناء عَلَى أن تعريف المسند إليه يفيد القصر. هذا مقتضى
كلام المص، وأما في النظم فتَخْصيص المساجد بالذكر يفيد الحصر لا بناء عَلَى مفهوم
المخالفة بل لكونه مشروعًا عَلَى هذا الوجه فالشارع إذا بين الحكم بطَريق مَخْصُوص يكون
الحكم مَخْصُوصًا بهذا الطريق، وليس هذا من مفهوم المخالفة حتى يقال إنه مختلف فيه.
قوله: (ولا يَخْتَصُّ بمسجد دون مسجد) إذ المساجد بلفظ الجمع عَلَى جوازه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وعن قتادة جاز أن يكون جواب سؤال مقدر تقديره أن المعتكف لا يكون إلا في
المسجد فَكَيْفَ يتأتى له [الوطء] فأجاب أن توجيهه ما روي عن قتادة .
قوله: وفيه دليل عَلَى أن الاعتكاف يكون في المسجد ولا يَخْتَصُّ بمسجد دون مسجد. وجه
الأول أن قوله: (وَأَنْتُمْ عَاكفُونَ في الْمَسَاجد) تفيد الاعتكاف بالمساجد فدل عَلَى
أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، ورد بأن معنى الآية النهي عن المباشرة حال الاعتكاف وهو
لا يستلزم أن لا يكون الاعتكاف إلا في المسجد وقال بعضهم إن أقرب ما يقال فيه أن اقتران
الوصف بالحكم يدل عَلَى علية الوصف لذلك الحكم من طريق الإيماء عَلَى ما ثبت في أصول
الفقه فإذن يجب أن يكون لقوله في المساجد مدخل في العلية كما إذا قيل لا تأكل وأنت قائم في
السوق فإن علة النهي ليس مجرد القيام لجواز ذلك في الخلوة بل العلة الأكل عند القيام في السوق
فللسوق مدخل في العلية للنهي قال بعض الفحول إن علماء الشريعة رحمهم الله عرفوا الاعتكاف
باللبث في المسجد بالنية، وقال صاحب الكَشَّاف الاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه
وإذا كان كَذَلكَ فاختصاصه بالمسجد لا ينازع فيه أحد وعلى هذا لو اقتصر عَلَى قوله:(وَأَنْتُمْ
عَاكفُونَ)حصل المقصود لأن لفظ العكوف يغني عن ذكر المساجد لأن العكوف
شرعًا لا يكون إلا فيها إلا أنه ذكر قوله: (في المساجد) ، تقبيحًا للمباشرة
للمعتكف فإنها في المسجد حرام لغير المعتكف فما ظنك بالمعتكف وإشَارَة إلَى أن المعتكف إذا
خرج من المسجد للحاجة لا يجوز له المباشرة؛ لأن في المسجد حكمًا لما أن الآية نزلت في ذلك
على ما روي عن قتادة، وأما وجه دلالة الآية عَلَى الثاني أي عَلَى أن الاعتكاف لا يَخْتَصُّ بمسجد
دون مسجد هُوَ إطلاق المساجد ودلالته عَلَى ذلك واضحة .