وقت الصوم مُسْتَفَاد من قوله إلَى الليل قولًا بمفهوم الغاية هذا مذهب الشَّافعيّ، وأما
عندنا فهذا مُسْتَفَاد منه بطَريق إشَارَة النص فيحرم صوم الوصال عَلَى الأمة، والصوم الوصال
عدم الإفطار في جزء من الليل حتى يصبح صائمًا وهذا معنى ما قيل وهو أن يصوم يومين
فأكثر من غير أن يفطر بالليل، وأما الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ فقد يواصل فهو من خصائصه عليه
الصلاة وَالسَّلَامُ فإنه نهى الأمة عنه وقال"إنكم لستم بمثلي فإني أطعم وأشرب"والظَّاهر أنه
عليه السَّلام عمل بالوحي الغير المتلو، فالآية الكريمة إن قيل بعمومها إلَى النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ
يكون من قبيل عام خص منه البعض، وأما النسخ بالنسبة إليه عَلَيْهِ السَّلَامُ فبعيد، وأنت خبير
بأن الآية الكريمة سيقت لبيان آخر وقت وجوب الصوم فيفيد أن الليل ليس وقت وجوب
الصوم ولا يلزم منه حرمة الصوم فيه، فلم لا يجوز أن يكون الصوم فيه مستحبًا فلا يحرم صوم
الوصال بهذه الآية. بل حرمته ثابتة بالأخبار الصحيحة وتلقي الأئمة بالقبول فـ [حِينَئِذٍ] صوم الوصال
حرام عَلَى الأمة ومن خصائصه عَلَيْهِ السَّلَامُ فيدفع الإشكال الْمَذْكُور بأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ يصوم
بصوم الوصال مع أن ظَاهر الآية متناولة له عليه السلام، ولا حاجة في التفصي عنه إلَى التمحل
المزبور ولا دلالة لقَوْله تَعَالَى: (ثُمَّ أَتمُّوا الصّيَامَ إلَى اللَّيْل) عَلَى جواز النية
بالنهار كما تمسك أصحابنا لأن الإتمام جعل الشيء تامًا، ولا وجوب إمساك في الصبح
لحَقيقَة الإتمام بأن يتحقق النية في الليل قبيل الصبح في النهاية، وقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"إنما"
الْأَعْمَال بالنيات"يقتضي ذلك فاللازم اقتران النية بأول الصوم عَلَى ما يقتضيه بناء المصاحبة"
لكن للعسرة محافظة أوله وهو أول طلوع الفجر جوزوا في الليل ولو قيل الصبح تسهيلًا للأمة
ودفعًا للعسرة فالآية يدل ظاهرها عَلَى اشتراط النية في الليل وما اختاره أصحابنا من تأخير
النية إلَى الضحوة الكبرى ثابت بدليل آخر بين في موضعه .
قوله: (معتكفون فيها والاعتكاف هُوَ اللبس في المسجد بقصد القربة، والْمُرَاد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: والْمُرَاد بالمباشرة [الوطء] لما تقدم من قوله: (أُحلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَام الرفث إلَى نسائكم)
(فَالْآنَ بَاشرُوهُنَّ) ، فإن الْمُرَاد بالمباشرة هنا الجماع فكذلك هَاهُنَا لأن
الْقُرْآن يفسر بعضه بعضًا ، وعلى هذا عدم جواز الدواعي من الْقُبْلَة واللمس كان بطريق الإلحاق لا بدلالة.
ويجوز أن يستفاد حرمة قربان الدواعي من قَوْلُه تَعَالَى [بعده] (تلْكَ حُدُودُ اللَّه فَلَا تَقْرَبُوهَا)
نهى عن أن يقرب الحد الحاجز عن ارْتكَاب الباطل فضلًا عن أن يفعل باطلًا، ولما كان دواعي
الجماع [مفضية] إلَى الجماع عالبًا كان النهي عنها داخلًا في النهي فَلَا تَقْرَبُوهَا، وفي إلحاق دواعي الجماع
بالجماع في الاعتكاف دون الصوم بحث مذكور في بعض شروح الهداية. وقيل معناه لا تلامسوهن
بشهوة فيكون الْمُرَاد بالمباشرة الدواعي نهي عن الدواعي لإفضائها إلَى الجماع المقصود الأصلي من
النهي فإنه إذا [حرم] الدواعي لإفضائها إليه حرم الجماع بالطريق الأولى .