كلمة (ثُمَّ) عَلَى أصلها أشار إليه بقوله بعد الإفاضة من عرفة إليها الأولى بعد الذكر، لكن أراد
بيان حاصل الْمَعْنَى ؛ إذ الذكر بعد الإفاضة من عرفة، والخطاب عام كما في الاحتمال الأول
لكن النَّاس خاص [بقريش] صرح به الكَشَّاف حيث قال: وقيل (ثُمَّ أَفيضُوا منْ حَيْثُ أَفَاضَ)
وهم أي الْمُصَنّف انتهى. والحمس قريش تسمى به لشدتهم. وقيل الخطاب في الاحتمال
الأول لقريش، كَمَا صَرَّحَ به المص، وجوابه قد عرفت أن الْمُرَاد عموم الخطاب وإن كان
لقريش عبارة وظاهرًا لما عرفت أن المص حكم أن الإفاضة هي مأمور بها بناء عَلَى عموم
الخطاب بدلالة النص كما مَرَّ بَيَانُهُ. نعم في الاحتمال الأول الخطاب لقريش، والْمُرَاد بالنَّاس
سائر النَّاس، وفي الثاني الخطاب عام لسائر النَّاس، والْمُرَاد بالنَّاس قريش، وإنما مرضه لأن
هذا الْمَعْنَى لا يلائم قَوْلُه تَعَالَى (واسْتَغْفرُوا اللَّهَ) كما ستعرفه، وَأَيْضًا ينتفي
على هذا الوجه إثبات وجوب الوقوف في عرفة بقَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ أَفيضُوا)
كما اختاره فيما سبق ولم يوجد الإشَارَة إلَى الوقوف بعرفة في غير هذا المَوْضع. والْحَديث
الوارد في شأن الوقوف بعرفة من خبر الآحاد، إلا أن يقال إن فرضيته ثبتت بالْإجْمَاع كما
سبق، وَأَيْضًا لا يظهر [حِينَئِذٍ] فَائدَة قوله (منْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) إلا أن يقال: والْمَعْنَى [حِينَئِذٍ] من حيث
أفاض الناس كلهم قديمًا وحديثًا من لدن آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قوله: (والْمَعْنَى أن الإفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه) . والْمَعْنَى أي عَلَى الوجه
الأول أن الإفاضة من عرفة شرع قديم من لدن آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ أو من لدن إبْرَاهيم عليه
السلام ولم يطرأ عليه نسخ، فهو شرع لكم أَيْضًا فلا تغيروه أيها [القريشيون] من تلقاء أنفسكم
وهذا إشَارَة إلَى ترجيح الْمَعْنَى الأول. وقيل والْمَعْنَى أي عَلَى هذه القراءة أي عَلَى قراءة
النَّاس بكسر السين مع حذف الياء اكتفاء بالكسر والمآل واحد .
قوله: (من جاهليتكهم في تغيير المناسك ونحوه) أي من أحوالكم التي صدرت منكم
في زمان الجاهلية وقبل البعثة في تغيير المناسك كالإفاضة من مزدلفة في مَوْضع الإفاضة
من عرفة. إشَارَة إلَى ارتباط الأمر بالاستغفار إلَى ما قبله، وإلى أن الخطاب لقريش، ويمكن
التعميم بمعونة قوله ونحوه، وفيه تنبيه عَلَى أن أهل الجاهلية يؤاخذون باقتراف المعاصي في
زمن الجاهلية وفيه تردد .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: من جاهليتكم. هُوَ ناظر إلَى معنى قوله: (وَإنْ كُنْتُمْ منْ قَبْله لَمنَ الضَّالّينَ)
فهو بيان لارتباط هذه الآية بتلك وأنها ليست بأجنبية عنها، ولفظ (اسْتَغْفرُوا اللَّهَ) وإن كان عام الْمَعْنَى
حيث لم يقيد بالمستغفَر منه المعين لكن يدخل فيه جاهليتهم دخولًا أوليًّا لسبق ذكرها بلفظ الضلال
على سبيل الكناية، وأشار إلَى عموم المتعلق بقوله ونحوه قوله يعفر ذنوب المستغفر بيان لارتباطه بما
قبله. وقوله وينعم عليه. بيان لمعنى الرحيم، فإنه بمعنى المنعم فسره عَلَى سبيل النشر للف السابق .