فهرس الكتاب

الصفحة 2228 من 10841

بين الإفاضين فلا إشكال بأن الإفاضة من عرفة قبل الإفاضة من مزدلفة أو كلتا الإفاضتين

في زمان واحد، فَكَيْفَ يسوغ أن يقال (فَإذَا أَفَضْتُمْ منْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ)

إلَى قَوْله: (ثُمَّ أَفيضُوا) الآية. فإن هذا الإشكال إنما يرد إن كان ثم لتراخي الزمان، وليس

كَذَلكَ فقوله (ثُمَّ أَفيضُوا) مَعْطُوف عَلَى مقدر. أي أفيضوا إلَى منى ثُمَّ أَفيضُوا من حيث

أفاض النَّاس، وهذا تكلف. والأوفق ما اختاره المص أنه مَعْطُوف عَلَى فاذْكُرُوا الله باعْتبَار

إفادته النهي عن الإفاضة عن المزدلفة، ولك أن تقول: إنه مَعْطُوف عَلَى مقدر وهو لا تفيضوا

وهو الأنسب لقوله لتفاوت ما بين الإفاضتين كما عرفته، وهذا غير ما ذكرناه أولًا ويحتمله

الْكَلَام أَيْضًا، والتطبيق بين المثالين في أن كلًا منهما كلمة (ثُمَّ) لتفاوت ولم يقصد به كمال

المماثلة والمطابق له ما لو قيل أحسن إلَى النَّاس الكرماء ثم لا تحسن إلَى غير الكريم لكن

الغرض وهو كون كلمة (ثُمَّ) مَجَازًا للتفاوت لا يتوقف عَلَى كمال المماثلة، ولك أن تقول:

الْمُرَاد بالنَّاس في إلَى النَّاس. النَّاس الكامل وهي الكرماء فيحصل كمال المماثلة. قال النحرير

التفتازاني التفاوت والبعد في المرتبة إنما يعتبر بين الْمَعْطُوف عليه والْمَعْطُوف والْمَعْطُوف

عليه عدم الإفاضة من المزدلفة فيما نحن فيه وعدم الإحسان إلَى غير الكريم، لكن جرت

عادة صاحب الكَشَّاف أنه يعتبر في أمثال هذه المواضع التفاوت بين الْمَعْطُوف عليه وبين ما

دخله النفي في الْمَعْطُوف لا بينه وبين النفي. ذكر في قَوْله تَعَالَى:(وَإنْ يُقَاتلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ

الْأَدْبَارَ)الآية. أن ثم للدلالة عَلَى بعد ما بين توليهم الأدبار وكونهم

ينصرون انتهى. وجه جري العادة لم يذكره. لعل وجهه أن اعتبار التفاوت بين ذلك غير

مستقيم فلا جرم أنه اعتبر في مدخول النفي، وإن التفاوت والبعد يلاحظ فيما دخله النفي

أولًا ثم النفي ثانيًا تأكيدًا للبعد فإنه لما كان البعد بين توليهم الأدبار وكونهم ينصرون

كان في قوة نفي النصرة [عمن] هُوَ مَوْصُوف بالتولي فأقحم كلمة النفي تأكيدًا لذلك، وكذا

الْكَلَام فيما نحن فيه. وعادته في أمثال هذه المواضع لا يخالف في الْحَقيقَة ما ثبت في كلام

النحاة، وكلام أرباب الحواشي هنا مضطرب لا سيما في حل كلام الكَشَّاف فإنه مشحون

بالتَّكَلُّف والاعتساف. وما ذكرناه مع توفيق كلامه لكلام الثقات من النحاة مغنٍ عن التمحل

لدى أهل الإنصاف. قيل ويؤخذ منه أن التفاوت بتفضيل أحد المتعاطفين سواء كان الأول أو

الثاني كما أشار إليه في الكشف وأن التفاوت بَيْنَهُمَا بالذات وبين متعلقيهما بالعرض.

قوله: (وقيل من مزدلفة إلَى منى بعد الإفاضة من عرفة إليها، والخطاب عام. وَقُرئَ

النَّاس بالكسر أي النَّاسي يريد آدم عليه السَّلام من قوله سبحانه وتَعَالَى (فَنَسيَ) فيكون حِينَئِذٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت