قوله:(وكانت العرب إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل فيذكرون
مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم)أي أيام الوقائع والحروب وكون عادتهم ذلك رواه ابن جرير
وغيره، وفيه نهى عن ذكر آبائهم في مَوْضع ينبغي فيه أن يذكر الله تَعَالَى ذكرًا كثيرًا؛ لأن ذكر
الآباء مفاخرة وعجبًا قبيح مُطْلَقًا، وفي مَوْضع الْعبَادَة أقبح، والنهي الْمَذْكُور مُسْتَفَاد بالأمر
بذكر الله تَعَالَى فإن الأمر بالشيء نهي عن ضده .
قوله:(إما مجرور مَعْطُوف عَلَى الذكر بجعل الذكر ذاكرًا عَلَى المجاز. والْمَعْنَى
فاذْكُرُوا الله ذكرًا كذكركم آبائكم أو كذكرٍ أشد منه وأبلغ)عَلَى الْمَجَاز إطلاقًا لاسم المتعلق
على المتعلَق بفتح اللام فيكون التقدير كذكركم آباءكم أو كذكرٍ أشد منه. قدر ذكرًا لأن أشد
صفة فلا بد له من مَوْصُوف والضَّمير في منه للذكر المتقدم فقد جعل للذكر ذكرًا فيكون
الذكر ذاكرًا، فإن الذكر الذي هُوَ أشد ذكرًا منه أي ذكر الآباء يكون ذاكرًا لا محالة فإن ذكرًا
في أشد ذكرًا تمييز في معنى الْفَاعل .
قوله: (أو عَلَى ما أُضيف إليه عَلَى ضعف) أو مجرور مَعْطُوف عَلَى ما أضيف الذكر
إليه وهو ضمير المخاطب وهو ضعيف؛ لأن العطف عَلَى الضَّمير المجرور بدون إعادة الجار
لا يجوز عند البصريين ويجوز عند الكوفيين، وهو مذهب مرجوح كما أشار إليه بقوله عَلَى
ضعف، فلا يلزم متابعته لمن جوزه غايته أنه أَشَارَ إلَى جوازه عند قوم مع التَّنْبيه عَلَى ضعفه .
قوله: (بمعنى أو كذكر قوم أشد منكم ذكرا) هذا مقتضى عطفه عَلَى الضَّمير
المجرور. وقيل إن الْمُرَاد بالعطف من حيث الْمَعْنَى، وأما من حيث اللَّفْظ فهو عَلَى حذف
مضاف مَعْطُوف عَلَى الذكرـ فلا يلزم المحذور المذكور. قوله: أو كذكر قوم الخ. إشَارَة إلَى
ذلك فالْمَعْطُوف الذكر كما أن الْمَعْطُوف عليه الذكر وتقدير قوم لما ذكرنا، وإنما قيل أو أشد
ذكر مع أن الذكر مما يجيء منه أفعل التَّفْضيل للمُبَالَغَة كما في قَوْله تَعَالَى (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)
قد مَرَّ تَوضيحُهُ هناك. كلمة (أو) هنا للتخيير وحملها عَلَى معنى بل لا يبعد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: أو كذكرٍ أشد منه وأبلغ ذكرًا. وجه الْمَجَاز فيه أنه جعل الذكر ذاكرًا مُبَالَغَة فأفاد أن
الذكر لكثرة دورانه عَلَى الألسنة كان كأنه الشخص المتصف بالذكر. قوله: أو عَلَى ما أُضيف إليه. أي
أو عطف عَلَى ما أضيف الذكر إليه وهو ضمير المخاطبين عَلَى أن مَوْصُوف أشد مَحْذُوف تقديره
أو كذكر قوم أشد ذكرًا من آبائكم، وعلى التقديرين يكون عطفًا عَلَى المجرور بدون إعادة الجار
فالأول مثل مررت بك وزيد. والثاني مثل مررت بغلام زيد وعمرو. واعترض عليه بأن هذا خلاف
الأول في قانون النحو فإن الأصل أن يقال مررت بك وبزيد وبغلام زيد وغلام عمرو كما اعترض
على من قرأ (تساءلون به والأرحام) بالجر. قيل يمكن أن يجاب عنه عَلَى الوجه
الثاني أن بعض النحويين فرقوا بين المجرور بالْإضَافَة وبين المجرور بحرف الجر فجوزوا في
الأول دون الثاني لأن اتصال المجرور بالْمُضَاف إليه ليس كاتصاله بالجار لاستقلال كل منهما
بمعناه بخلاف الثاني فإن حرف الجر ليس مستقلًا بالْمَعْنَى وإن كان المجرور مستقلًا .