على قوله بالْقَوْل أي متعلق بـ يعجبك فحِينَئِذٍ كلمة في باقية عَلَى الظرفية لكن الأول لكونه
أبلغ في الذم قدمه فإن معناه أن همه مقصور عَلَى حظوظ الدُّنْيَا ومعاشها؛ ولهذا قوله مقصور
عليها؛ إذ لا يعتقد الْآخرَة حتى يتكلم في شأنها.
قوله:(ولا يعجبك في الْآخرَة لما يعتريه من الدهشة [والحبسة] أو لأنه لا يؤذن له في
الْكَلَام) ولا يعجبك لا دلالة في الْكَلَام عَلَى الحصر ولا عَلَى هذا النفي سوى مفهوم
المخالفة، إلا أن يقال إنه بدليل خارج كما أشار إليه بقوله لما يعتريه الخ. فإنه معلوم من
الدليل عَلَى أن حال الْكُفَّار كَذَلكَ في دار البوار، وكَذَلكَ قوله أو لأنه لا يؤذن الخ. نفهم من
قَوْلُه تَعَالَى (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذرُونَ) وهو داخل في تحت هذا العموم
فعلى هذا انتفاع الإعجاب بعدم التَّكَلُّم بسَبَب الحجاب وعلى الأول انتفاؤه بسَبَب زوال
الحلاوة والبراعة لعروض اللكنة والحبسة لكمال الحيرة والدهشة والْكُفَّار يتكلمون في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
المسألة فالمعنى يعجبك قوله وكلامه عندما يتكلم لطلب مصالح الدُّنْيَا، والثاني أن يكون التقدير
يعجبك قوله وكلامه في الحياة الدُّنْيَا وإن كان لا يعجبك قوله وكلامه في الْآخرَة؛ لأنه ما دام في
الدُّنْيَا يكون جرى اللسان حلو الْكَلَام، وأما في الْآخرَة فإنه يعتريه اللكنة والاحتباس خوفا من هيبة
جلال الله وقهر كبريائه الصفة الثانية قوله (وَيُشْهدُ اللَّهَ عَلَى مَا في قَلْبه) فالْمَعْنَى أنه
يقرر صدقه في كلامه ودعواه بالاستشهاد باللَّه ثم يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف واليمين.
ويحتمل أن يكون ذلك بأن يقول الله يشهد أن الأمر كما قلت فهذا يكون استشهادا باللَّه ولا يكون
بمينًا. وعامة القراء يقرءون"ويشهد الله عَلَى ما في ضميره". وقرأ ابن محيص"ويَشهد الله ما في قلبه"
بفتح الياء. والْمَعْنَى أن الله يعلم من قلبه خلاف ما أظهر، فالقراءة الأولى تدل عَلَى كونه مرائيًا وعلى
أنه يستشهد الله باطلًا عَلَى نفاقه وريائه، وأما القراءة الثانية فلا تدل إلا عَلَى كونه كاذبًا، وأما عَلَى
كونه مستشهدًا باللَّه عَلَى سبيل الكذب فلا. فعلى هذه القراءة الأولى أدل عَلَى الذم الصّفَة الثالثة وهو
ألد الخصام قال الألد الشديد الخصومة يقال رجل ألد وقوم لُد. قال الله تَعَالَى:( [وَتُنْذرَ] به قَوْمًا
لُدًّا) وروي عن الزجاج أن اشتقاقه من [لديدي] العنق وهما صفحتاه [ولديدي] الوادي وهما جانباه
وتأويله أنه في أي وجه أخذه خصمه من يمين وشمال في أبواب الخصومة غلب من يخاصمه ثم
قال: وأما الخصام ففيه قولان: أحدهما وهو قول الخليل أنه مصدر بمعنى المخاصمة كالقتال
والطعان بمعنى المقاتلة والمطاعنة يكون الْمَعْنَى وهو شديد المخاصمة ثم في هذه الْإضَافَة وجهان:
أحدهما أنه بمعنى في والتقدير ألد في الخصام، والثاني جعل الخصام ألد عَلَى سبيل المُبَالَغَة، والْقَوْل
الثاني أن الخصام جمع خصم كصعاب وصعب وضخام وضخم. والْمَعْنَى وهو أشد الخصوم
خصومة، وهذا قول الزجاج. الصّفَة الرابعة قَوْلُه تَعَالَى:(وَإذَا تَوَلَّى سَعَى في الْأَرْض ليُفْسدَ فيهَا
وَيُهْلكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحبُّ الْفَسَادَ)قال الإمام: اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ منْ
حَال ذَلكَ الْإنْسَان أَنَّهُ حُلْوُ الْكَلَام، وَأَنَّهُ يُقَرّرُ صدْقَ قَوْله بالاسْتشْهَاد باللَّه وَأَنَّهُ أَلَدُّ الْخصَام، بَيَّنَ بَعْدَ
ذَلكَ أَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرَهُ باللّسَان فَقَلْبُهُ مُنْطَوٍ عَلَى [ضدّ] ذَلكَ فَقَالَ:(وَإذَا تَوَلَّى سَعَى في الْأَرْض ليُفْسدَ
فيهَا)الصّفَة الخامسة قَوْلُه تَعَالَى (وَإذَا قيلَ لَهُ اتَّق اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعزَّةُ بالْإثْم)
وللإمام في بيان هذه الصفات الخمس عرض عريض من الْكَلَام فلنرجع إلَى ما
نحن فيه من حل الْكتَاب.