قوله: (بما قصدتم من الأيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم) واعتبار الألسنة لأن
الأيمان فعل اللسان وما خطر بالقلوب لا يكون أيمانًا يترتب عليها الأحكام والذنوب، فما نقل
عن الكرماني من قوله أي عزمت عليه؛ إذ كسب القلب عزيمته، وفيه دليل لما عليه الْجُمْهُور
من أن أفعال الْقُلُوب إذا استقرت يؤاخذ بها. وقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"إنَّ اللَّهَ تجاوز لأمتي عَمَّا"
حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو لم يعملوا"محمول عَلَى ما إذا لم يستقر فإنه لا يمكن"
الانفكاك عنه فهو كلام لا مساس له لهذا المقام، فإن المرام بيان الأحكام من الْكَفَّارة والعقوبة
في يوم القيام للأيمان الصادرة من الأنام، وما يتكلم به لا يكون يمينًا بل عزيمة عليها كما
اعترف به، وعن هذا لم يذهب أحد إلَى أن معنى (كسبت قلوبكم) العزم المصمم بدون نطق مع
أن بعض اليمين مشروعة لا مؤاخذة في نطقها ما لم يحنث فضلًا عن العزيمة عليها.
قوله: (وقال أبو حنيفة رحمه الله تَعَالَى) وفي الهداية الأيمان عَلَى ثلاثة أضرب: يمين
الغموس وهو الحلف عَلَى أمر ماضٍ متعمد الكذب فيه، ولا كفارة فيها لكنه إثم يحتاج إلَى
التَّوْبَة، وقال الشَّافعيّ فيها الْكَفَّارة والمنعقدة ما يحلف عَلَى أمر مستقبل أن يفعله أو أن لا
يفعله، وإذا حنث فيها لزمته الْكَفَّارة لقَوْله تَعَالَى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) .
واليمين اللغو أن يحلف عَلَى أمر ماضٍ وهو يظن أنه كما قاله، والأمر بخلافه
فهذا اليمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها انتهى ملخصًا.
قوله: (اللغو أن يحلف الرجل بناء عَلَى ظنه الكاذب) وهذا عام للأمرين الأول أن
يحلف عَلَى أمر ماضٍ وهو يظن أنه كما قاله والأمر بخلافه، والثاني أن يحلف أنه زيد وهو
يظنه زيدًا، وإنما هُوَ عمرو.
قوله:(والْمَعْنَى لا يعاقبكم بما أخطأتم فيه من الأيمان ولكن يعاقبكم بما تعمدتم
الكذب فيها). والْمَعْنَى أي عَلَى مذهب أبي حنيفة لا يعاقبكم أي المؤاخذة في الموضعين
بمعنى المعاقبة في الْآخرَة وأن الْمَذْكُورة في هذه الآية أولًا اليمين اللغو عَلَى تفسيره فلا
عقاب عليها، والْمَذْكُورة ثانيًا اليمين الغموس فيعاقب عليها في الْآخرَة بالاتفاق، ولا إشَارَة
إلى اليمين المنعقدة في هذه الآية حتى يعم المؤاخذة الْكَفَّارة في الدُّنْيَا، واليمين المنعقدة
وحكمها معلومة من الآية التي في سورة المائدة.
قوله: (حيث لا يؤاخذكم باللغو) فيكون الْجُمْلَة تذييلية.
قوله: (حيث لم يعجل بالمؤاخذة عَلَى يمين الجد) لم يعجل فـ [حِينَئِذٍ] يكون الْجُمْلَة أي
والله حليم تكميلية، وهذا من أسرار البلاغة وأنواع البراعة.