فهرس الكتاب

الصفحة 2451 من 10841

والقليل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا. وقيل ثلاثة آلاف. وقيل ألفًا. روي أن من اقتصر عَلَى

الغرفة كفته لشربه وإدواته، ومن لم يقتصر قلب عليه عطشه واسودت شفته ولم يقدر أن

يمضي) كانوا ثلاثمائة الخ. بعدد أهل بدر وهو الصحيح فلذا اكتفى به في قَوْله تَعَالَى:

(فلما كتب عليهم القتال) الآية. ومرض هنا الْقَوْلين الأخيرين قوله كفته

لشربه فيه دليل عَلَى أن الْمُرَاد بالغرفة القليل كناية لا خصوص [الغرقة] . قوله وإدواته لا يلائم

ظَاهر قوله (فشربوا منه إلا قليلًا منهم) ؛ إذ الْمُرَاد بالْمُسْتَثْنَى كما عرفت الَّذينَ شربوا منه باليد

مثلًا دون الكرع وشربًا قليلًا لا إفراطًا وتناوله لإدواته مشكل .

قوله: (وهكذا الدُّنْيَا لقاصد الْآخرَة) وعن هذا قيل الدُّنْيَا كالملح من ازداد منها ازداد

عطشًا والمشار إليه بقوله وهكذا من جزئيات الدُّنْيَا أَيْضًا، والْمُرَاد بالدُّنْيَا المشبهة مثل

الذهب والفضة ونحوهما من الأموال ؛ إذ الدُّنْيَا كما في القاموس نقيض الْآخرَة، وقد يطلق

الدُّنْيَا عَلَى جزئياتها وهو الْمُرَاد هنا وفي أكثر المواضع قوله لقاصد الْآخرَة أي متاع الدُّنْيَا

بالنسبة إلَى من طلب الوصول إلَى المقامات الرفيعة في الْآخرَة فإن من قنع بالقوت إلَى أن

يموت ظفر بالمقصود، وإلا فاته المطلوب باشتغاله إلَى المحبوب، وهذا القيد لتَحْصيل

المناسبة لنظيره فإنهم شربوا منه حال كونهم قاصدين لقتال العدو الذي هُوَ أفضل أعمال

القاصدين للآخرة وإلا فالدُّنْيَا كالملح لقاصد الْآخرَة أولًا .

قوله: (أي قليل الَّذينَ لم يخالفوه) لأن الَّذينَ آمَنُوا عام لكن الْمُرَاد قليلون بقرينة ما

قبله فإنه قال فمن شرب منه فليس من أتباعي في هذه الغزوة الكبرى، ثم قيل فشربوا منه إلا

قليلًا منهم، فعلم أن المجاوزين معه القليلون الَّذينَ لم يخالفوه .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

والأعمش (إلا قليل) بالرفع وهذا من ميلهم مع الْمَعْنَى والإعراض عن اللَّفْظ جانبًا وهو باب جليل

من علم العربية فلما كان معنى فشربوا منه في معنى ولم يطيعوه حمل عليه كأنه قيل فلم يطيعوه إلا قليل

ونحوه قال الفرزدق لم يدع من المال إلا مسحت أو مجلف كأنه لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف

فإنه لو لم يأول بذلك لكان الواجب أن يقال لم يدع من المال إلا مسحتًا أو مجلفًا ولما استلزم نفي ترك

المسحت أو المجلف نفي بقاءهما وبالعكس فإن معنى لم يدع لم يترك فإذا لم يترك شَيْئًا لم يبق شيء

عبر عن عدم البقاء بالترك فرفع مسحت ومجلف بالفاعلية لـ لم يبق وإن كانا في مَوْضع النصب ظاهرا

وترك الظَّاهر وحمل عَلَى الْمَعْنَى المسحت المستأصل والمجلف الذي ذهب بعضه .

قوله: وإداوته الإداوة المطهرة .

قوله: وهكذا الدُّنْيَا لقاصد الْآخرَة . قال الرَّاغب: في القصة إيماء ومثال للدنيا وأبنائها وأن من

تناول قدر ما يبلغ به اكتفى واستغنى وسلم منها ونجا ومن تناول منها فوق ذلك ازداد عطشًا وإلى

هذا أشير في الخبر المروي أن اللَّه عز وجل إذا سأله عبده شَيْئًا من عروض الدُّنْيَا أعطاه وقال له

خذه حرصًا وإياه عنى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بقوله"لو أن لابن آدم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثًا ولا يملأ"

جوف ابن آدم إلا التراب"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت