في الْكَلَام القديم عليه حيث لا يعرفه أهل اللسان وقت نزول الْقُرْآن، وقد رده صاحب
الكَشَّاف مثل هذا في تفسير قَوْلُه تَعَالَى ، (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ)
وجوزه هنا انتهى، وأنت خبير بأن تفسير الحي بالبقاء إرجاع صفة الحياة إلَى البقاء وصرح
علماء علم الْكَلَام بأن البقاء صفة له تَعَالَى مغايرة لصفة [الحياة] فلا مساغ له وما ذكره المص
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: الحي الذي يصح أن يعلم ويقدر. وفي الكَشَّاف الحي الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء.
قيل قوله لا سبيل عليه نفي إمكانه لئلا ينتقض بالسرمديات وهو عَلَى اصْطلَاح الْمُتَكَلّمينَ الذي
للفناء يصح أن يعلم ويقدر. قال المتكلمون الحق ذات يصح أن يعلم ويقدر. واختلفوا في أن هذا
المفهوم صفة موجودة أم لا. قال المحققون إنما هُوَ صفة موجودة ووصف الله تَعَالَى به يفيد أنه
كامل عَلَى الإطلاق غير قابل للعدم لا في ذاته ولا في صفاته الحقيقية أو النسبية والإضافية. وقوله
الذي يصح أن يعلم ويقدر شامل لمذهب الْمُتَكَلّمينَ أن الحياة وغيرها صفة زائدة عَلَى الذات
ولمذهب من جعلها عين الذات حَقيقَة، ولمذهب من جعلها حالًا وهو الأمر الثابت الذي لا يكون
موجودًا ولا معدومًا. والتحقيق فيه أن الحي في اللغة شيء ذو حياة ولا يفهم منه إلا قوة تقتضي
الحس والحركة، ولما وصف البارئ تَعَالَى بها وهو منزه عن الحس والحركة لأنهما من صفات
الجسمانيات جعلوها عبارة عن شيء يصح اتصافه تَعَالَى به فأحذوا عن الحس معنى العلم الملائم
له، وعن الحركة معنى القدرة لما للقدرة نوع شبه بالحركة ففسروه الحي بالذي يصح أن يعلم ويقدر
ليصدق عَلَى البارئ تَعَالَى سواء جعل الحياة صفة وجودية زائدة أو لا. قال بعض الْمُتَكَلّمينَ إن
الحياة كون الشيء بحيث لا يمتنع أن يعلم ويقدر وعدم الامتناع لا يكون صفة موجودة. وقال
المحققون منهم لما كانت الحياة عبارة عن عدم الامتناع وقد ثبت أن الامتناع أمر عدمي ؛ إذ لو كان
وصفًا وجوديًا لكان الْمَوْصُوف به موجودًا ليكون ممتنع الوجود موجودًا وهو محال وإذا ثبت أن
الامتناع وثبت إن الحياة عدم هذا الامتناع ،وثبت أن عدم العدم وجود لزم أن يكون المفهوم من
الحياة صفة موجودة وهو المطلوب. قال الإمام:[لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْحَيِّ هُوَ أَنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَ وَيَقْدِرَ، وَهَذَا الْقَدْرُ حَاصِلٌ لِجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أَنْ يَمْدَحَ اللَّهُ نَفْسَهُ بِصِفَةٍ يُشَارِكُهُ فِيهَا أَخَسُّ الْحَيَوَانَاتِ.
وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْحَيَّ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ هَذِهِ الصِّحَّةِ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ كَامِلًا فِي جِنْسِهِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى حَيًّا، أَلَا تَرَى أَنَّ عِمَارَةَ الْأَرْضِ الْخَرِبَةِ تُسَمَّى: إِحْيَاءَ الْمَوَاتِ، وَقَالَ تعالى: (فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) وَقَالَ: (إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ)
وَالصِّفَةُ الْمُسَمَّاةُ فِي عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِينَ، إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِالْحَيَاةِ لِأَنَّ كَمَالَ حَالِ الْجِسْمِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلَا جَرَمَ سُمِّيَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ حَيَاةً وكمال حال الأشجار أن لا تَكُونَ مُورِقَةً خَضِرَةً فَلَا جَرَمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ حَيَاةً وَكَمَالُ الْأَرْضِ أَنْ تَكُونَ مَعْمُورَةً فَلَا جَرَمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ حَيَاةً فَثَبَتَ أَنَّ الْمَفْهُومَ الْأَصْلِيَّ مِنْ لَفْظِ الْحَيِّ كَوْنُهُ وَاقِعًا عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْحَيِّ هُوَ الْكَامِلُ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِأَنَّهُ كَامِلٌ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَامِلٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَقَوْلُهُ (الْحَيُّ) يُفِيدُ كَوْنَهُ كَامِلًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالْكَامِلُ هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ قَابِلًا لِلْعَدَمِ، لَا في ذاته ولا في صفاته الحقيقة وَلَا فِي صِفَاتِهِ النِّسْبِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ] .
أقول: معنى الحياة في
اللغة غير معنى الْكَمَال ووصف الجمادات الْمَذْكُورة بالحياة إنما هو على سبيل الْمَجَاز لا عَلَى
سبيل الْحَقيقَة، ووصف الله تَعَالَى بالحياة ليس إلا عَلَى الْحَقيقَة والمفهوم من تقرير الإمام أن إطلاق