الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عباداتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها
وتجاب إليها ولهذا شرعت الجماعة وقدم الْمَفْعُول للتعظيم والاهتمام به والدلالة عَلَى الحصر
ولذلك قَالَ ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما معناه نعبدك ولا نعبد غيرك وتقديم ما هُوَ مقدم في
الوجود والتَّنْبيه عَلَى أن العابد يَنْبَغي أن يكون نظره إلَى المعبود أولًا وبالذات ومنه إلَى الْعبَادَة
لاس حيث إنها عبادة صدرت عنه بل من حيث إنها نسبة شريفة إليه ووصلة بينه وبين الحق
فإن العارف إنما يحق وصله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عَمَّا عداه حتى أنه
لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها إلا من حيث إنها ملاحظة له ومنتسبة إليه ولذلك فضل
ما حكى اللَّه تَعَالَى عن حبيبه - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: (لا تحزن إنَّ اللَّهَ معنا) عَلَى ما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: (ولسائر الموحدين اختار لفظ الموحدين عَلَى الْمُؤْمنينَ لأن(إيَّاكَ نَعْبُدُ وإياك
نستعين)من حيث إنه مفيد للحصر والتَّخْصِيص قوله بالتوحيد.
قوله: وتقديم ما هُوَ مقدم في الوجود فإنَّ اللَّهَ تَعَالَى كان ولا شيء معه والتَّنْبيه الخ. ذكر
لتقديم الْمَفْعُول وجوهًا خمسة لاحظ في خامسها كلام أبي علي في مقامات العارفين مَوْضع منها
أنه قال ثم إنه أي العارف ليغيب عن نفسه فيلحظ جناب القدس فقط وإن لاحظ نفسه فمن حيث
هي لاحظة له لا من حَيْثُ هي بزينتها وهناك بحق الوصول ومنها ما قال من أثر العرفان للعرفان
فقد قال بالثاني ومن وجد الحرفان كأنه لا يحده بل يحد المعروف به فقد خاض لجة الوصول.
قوله: ولذلك فضل الخ. أي ولكون [نظر] العابد العارف أولًا إلَى المعبود واسْتغْرَاقه في
ملاحظة جنابه الأقدس وغيبوبته عن نفس وعن كل ما عداه معبوده أفضل فضل قول حبيبه - صلى الله عليه وسلم -(إن
الله معنا)عَلَى قول كليمه مُوسَى عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (معي ربي)
من حيث إن الحبيب - صلى الله عليه وسلم - قدم ذكر مولاه عَلَى ذكر نفسه والكليم عكس في أول كلامه لكن
وافق في آخره.
قوله: (وكرر الضَّمير أي كرر الضَّمير الأول المنصوب مع أنه يكفي أن يقال إيَّاكَ نَعْبُدُ
ونستعين للتنصيص عَلَى تَخْصيصه بالاستعانة فإن أصل التَّخْصِيص وإن كان حاصلًا بدون التكرير
لأن الْمَعْطُوف في حكم الْمَعْطُوف عليه لكن ليفوت معنى التنصيص بذلك.
قوله: وليعلم منه أن تقديم الوسيلة عَلَى طلب الحاجة ادعى إلَى الإجابة هذا عَلَى أن يراد
الاستعانة في جميع المهمات عَلَى ما هُوَ الوجه المرجوع لا في ابتداء الْعبَادَة وإلا لكان الأولى
تأخير الْعبَادَة لأن المعونة طلبت للعبادة لتتم الْعبَادَة وتكمل.
قوله: وأقول لما نسب المتكلم الْعبَادَة الخ. هذا عَلَى أن يراد بالاستعانة طلب الاستعانة في
الْعبَادَة كما هُوَ الوجه الراجح المستحسن.
قوله: وقيل الواو للحال فيه نظر لأن الْمُضَارِع المثبت إذا وقع حالا يجب إخلاؤه من الواو
إلا أن يكون عَلَى مذهب ضعيف أدخل الواو نظرًا إلَى كونه جملة وإن كانت لا تحتاج إلَى الربط
نظرًا إلَى أنها بمنزلة المفرد لأن التقدير حِينَئِذٍ إيَّاكَ نَعْبُدُ مستعينين بك وقد سمع قمت وأصك
وجهه وأجاب عنه الزَّمَخْشَريّ بأن أصك حال ماضية قَالُوا وفيه للعطف فتقديره قمت وصككت
وجهه لكن أبرز في صورة المستقبل حركاته لتلك الحال العجيبة الشأن ويجوز عَلَى بعد أن يقدر
نحن ليكون جملة اسمية قابلة لدخول الواو ونحن إياك نستعين.