مثال خفي إلَى مثال جلي من مقدوراته التى يعجز عن الإتيان بها غيره، لا عن حجة إلَى
أخرى) أعرض إبْرَاهيم اسْتئْنَاف كأنه قيل لم أعرض عَلَيْهِ السَّلَامُ عن حجة ساقها واختار
حجة أخرى مع أن عدم إتمام الدليل يعد من الإفحام عند العلماء الأعلام، وأجاب بأنه إنما
أعرض عن إتمام البرهان الأول ببيان أن مرادى الإحياء بإيجاز الحياة في الجماد والإماتة
إزالة الحياة بلا تخريب البناء وعند ذلك بهت الذي كفر لأن الحجة الثانية قوية جلية بحيث
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الكَشَّاف وهذا دليل عَلَى جواز الانتقال للمجادل من حجة إلَى حجة جواز انتقال المجادل من حجة
إلى أخرى مسألة في علم الجدل متنازع فيها. قال بعض الأفاضل من شراح الكَشَّاف ولهم في هذه
القصة طريقان: أحدهما أن ما استدل به إبْرَاهيمُ كان واحدًا إلا أن الانتقال لإيضاحه من مثال إلَى
مثال آخر. والثاني وهو قول الأكثر أن إبْرَاهيم لما سمع من [نمروذ] الشبهة عدل من ذلك إلَى دليل
آخر أوضح منه. واعترض عليه الإمام بأن صاحب الشبهة إذا ذكر الشبهة ووقف في الإسماع وجب
على المحق أن يجيبه في الحال إزالة للتلبيس فكيف تركه النبي المعصوم وأجاب القطب عن هذا
الاعتراض الذي أورده الإمام بأن قال أراد إبْرَاهيم أن يستدل عَلَى وجود الصانع فقال أولًا: لا بد
للإحياء والإماتة من مبتدأ ومبدؤهما الله تَعَالَى فلما منع [نمروذ] المقدمة الثانية عدل عنه إلَى أن
الإتيان [بالشمس] من المشرق مبدأ وهو الله تَعَالَى فهو ليس بانتقال من مثال إلَى مثال لأن إبْرَاهيم أراد
أن يستدل عَلَى وجود الله تَعَالَى بأفعال لا يقدر الخلق عليها وكل فعل من تلك الأفعال دليل مستقل
عليه لأمثال، وأما الانتقال من دليل إلَى آخر فهو غير جائز إذا كان قبل إتمام الدليل الأول وإلا لزم
انقطاع المعلل فيه، وأما بعد الإتمام فجائز وهَاهُنَا قد تم لإبْرَاهيم دليله الأول، ولما عاند الكافر في
المنع لم يستحق الْجَوَاب فلهذا لم يشتغل بجوابه بل انتقل إلَى دليل آخر أوضح إزالة للاشتباه
وزيادة للتقرير. ثم قال لا يقال لما لم يستحي نمروذ من معارذة الإحياء والإماتة فَكَيْفَ يؤمن منه
عند استدلال إبْرَاهيم بطلوع الشمس أن يقول طلوع الشمس من المشرق مني، فإن كان لك إله فقل
حتى يطلعها من المغرب وحِينَئِذٍ كان انقطاع إبْرَاهيم لازمًا لأنا نقول أمكنه أن يخيل نسبة الإحياء
والإماتة إلَى نفسه بأن دعا شخصين [فقتل] أحدهما واستبقى الآخر، وقال هذا إحياء وإماتة، وأما نسبة
طلوع الشمس إليه فلا يمكنه أن يخيلها للقوم بل جميعهم يكذبونه في ذلك قطعًا قَالُوا إن السائل
إذا دفع علة المعلل بالنقض التفصيلي أو الإجمالي أو المعارضة كانت غاية دفعه أن يلجئه إلَى
الانتقال وهو ما يوجب إكمال ما رام المعلل بتعليله وهو أربعة أوجه لأن الانتقال من شيء إلَى
شيء يقتضي منتقلا منه وإليه وليس في باب المناظرة إلا العلة والحكم فالانتقال إما أن يكون من
العلة إلَى العلة أو من الحكم إلَى الحكم فإن كان الأول فإما أن يكون لإثبات العلة الأولى أو
لإثبات الحكم الأول فذلك قسمان وإن كان الثاني فإما أن يكون بالعلة الأولى وبغيرها فذلك أَيْضًا
قسمان والأوجه صحيحة إلا الثاني فإن العلماء قد اختلفوا فيه فمنهم من جوز مستدلًا بهذه الآية.
وإليه أشار صاحب الكَشَّاف بقوله وهذا دليل عَلَى جواز الانتقال للمعادل من حجة إلَى حجة. وأكثر
العلماء عَلَى عدم جوازه لأن المناظرة لقطع الخصومة؛ إذ هي النظر بالبصيرة من الجانين في النسبة
بين الشيئين إظهارًا للصواب ولو جاز الانتقال لم ينقطع الخصومة ولم يظهر الصواب. قال الإمام
والْمُرَاد بالآية. والله أعلم هُوَ أن إلراهبم عَلَيْهِ السَّلَامُ [لَمَّا احْتَجَّ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنَ اللَّهِ قَالَ الْمُنْكِرُ، تَدَّعِي الْإِحْيَاءَ وَالْإِمَاتَةَ مِنَ اللَّهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ الْأَسْبَابِ الْأَرْضِيَّةِ وَالْأَسْبَابِ السَّمَاوِيَّةِ، أَوْ تَدَّعِي صُدُورَ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الْأَسْبَابِ الْأَرْضِيَّةِ وَالْأَسْبَابِ السَّمَاوِيَّةِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا