قوله: أي انظر إليها محياة إشَارَة إلَى ما ذكرنا وهذا عَلَى الْمَعْنَى الأول وهو الْمُخْتَار وأما
على الثاني انظر إليها مرفوعًا بعضها عَلَى بَعْضٍ ننشرها بالراء المهملة بمعنى الإحياء وهذه
القراءة يؤيد كون الْمَعْنَى في القراءة الأولى الإحياء .
قوله: (ثم نكسوها لحمًا) ثم نسترها به ستر الجسد باللباس فالكسوة مجاز عن الستر
لكونه لازمًا له كلمة (ثُمَّ) هنا للاستبعاد أو التراخي الرتبي هذا إذا كان الْمُرَاد من قوله
(ننشزها) نحييها، وأما إذا كان بمعنى نرفع بعضها فهو للتراخي الزماني
وجمع العظام مع التعريف؛ إذ الْمُرَاد العظام المتفرقة المعهودة بكونها عظام الحمار أو
الأموات، وأما اللحم فهو مخلوق من كتم العدم فلا موجب لتعريفه، وأما الأفراد فلكون
الْمُرَاد الجنس. وقيل لكونه متصلًا فلما تبين له الفاء عطف عَلَى مقدر مترتب عليه أي فنظر
إليها فلما [تبين] له بذلك ولم يذكر الْمَعْطُوف عليه لدلالة الأمر ؛ إذ الإجابة في مثل هذه الحالة
متيقن فلا حاجة إلَى ذكره، وإنَّمَا الاحتياج إلَى ذكر الْمَعْطُوف .
قوله: (فاعل تبين مضمر يفسره ما بعده تقديره فلما تبين له(أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
أي أنه من باب التنازع الذي أعمل فيه الثاني عَلَى مذهب البصريين .
قوله: (فحذف الأول بدلالة الثاني عليه أو ما قبله أي فلما تبين له ما أشكل عليه) أو ما
قبله الخ. وهذا أحسن. أما أولًا فلسلامته عن الحذف، وأما ثانيًا فلأن كون قدرة الله عَلَى كل شيء
فاعلا لـ تبين يقتضي أن علمه بذلك حصل بعد مع أن صيغة اعلم لكونه مضارعًا يفيد
الاسْتمْرَار نظرًا إلَى أن أصله لم يتغير بل المتغير صفته عند من يقول إن التصديق يزداد يقينًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فاعل تبين مضمر تفسيره ما بعده يعني قوله (إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ)
معمول تنازع العاملان فيه وهما تبين واعلم ولا يجوز أعملهما فيه فوجب إضمار
فاعل تبين اعتمادًا عَلَى دلالة الثاني عليه تقديره فلما تبين وهو اعتمادًا عَلَى دلالة ما قبله وهو قوله
تَعَالَى: (ثم بعثه) الخ. وقوله فحذف الأول عبر عن ترك ذكره بالحذف فمراده
بالحذف عدم التلفظ به وفيه توسع شائع؛ لأن ذلك يسمى إضمار لا حذفا فإن حذف الْفَاعل لا
يجوز. قال الإمام: وفيه تعسف بل الوجه القوي لما تبين له أمر الإماتة والإحياء عَلَى سبيل المشاهدة
قال اعلم أن الله عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَديرٌ، وهو يشير إلَى أنه يختار الوجه الثاني الذي أورده المص
والزَّمَخْشَريّ حيث قال ويجوز فلما تبين له ما أشكل عليه يعني أمر إحياء الموتى، فعلى هذا يكون
من باب الاستدلال بالأمر الخاص عَلَى العام الظَّاهر أن المص وصاحب الكَشَّاف إنما أخر هذا
الوجه لضعفه فإن حذف الْفَاعل لا يجوز والمقدر في الوجه الثاني لم يسبق ذكره ليضمر عليه قيل
والأحسن أن يجعل من باب أن يكون الْمُرَاد بالْفعْل نفس وقوعه لا التلبس بالْفَاعل فكان معناه والله
أعلم فلما حصل له التبين قال أعلم الآية. ويساعده قراءة ابْن عَبَّاسٍ فلما تبين له عَلَى البناء للمَفْعُول
والآمر مخاطبه أي الله تَعَالَى الآمر به مخاطبه .