الواحد كَيْفَ يكون متعديًا بنفسه ومعدى بحرف الجر مع أنهما متقابلان ؛ إذ الوجهان يقتضيهما
الاعتباران وهكذا في كل فعل يجري فيه الأمران وبعضهم حاول التلفيق وقال أنها تتعدى
بنفسها وباللام وبإلى ومعناها عَلَى الأول الإيصال ولذا لا تسند إلا إلَى الله تَعَالَى وعلى الثاني
إراءة الطريق فتسند تارة إلَى الْقُرْآن وتارة أخرى إلَى النَّبيّ عَلَيْه الصَّلَاةُ والسلام، ولا يخفى أن
الأول منتقض بقَوْلُه تَعَالَى: (وأما ثمود فهديناهم) والثاني بقوله تَعَالَى:
(ويَهْدي مَنْ يَشَاءُ إلَى صرَاطٍ مُسْتَقيمٍ) وتقدير إلَى أو اللام خلاف الأصل مع
أن الْمُصَنّف حملها في هذه الآية. عَلَى إراءة الطريق كما سيجيء قريبًا وكذا حمل الْكَلَام في
المقامين عَلَى الحصر بحسب الاستعْمَال الأغلب بعيد عن السداد ؛ إذ لا باعث إلَى ادعاء
الحصر في ذلك مع الاسْتعْمَال في غير ذلك ثم الحمل عَلَى الاسْتعْمَال الأغلب، وأَيْضًا هذا لا
يكون توجيهًا لكلام الشَّيْخَيْن فإنهما ينكران تعديتها بنفسها ويحملان عَلَى الحذف والإيصال
فيما استعمل بدونهما فيكون شرحًا لا يطابق المشروح والعلماء لا يهتدون في حل الهداية إلَى
بيان آخر وأكثر ما يأتون فيه قليل الجدوى وخلاف الفحوى .
قوله: (وهداية الله تَعَالَى تتنوع أنواعا لا يحصيها عد) ظاهره أن أنواع هدايته تَعَالَى
غير منضبطة وغير متناهية كما قال الله تَعَالَى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)
ولما عرف مطلق الهداية كما هُوَ دأبهم في محاوراتهم تصدى لبيان هداية
الله تَعَالَى ويدل عَلَى إطلاقها قوله ومنه الهدية والإظهار في مَوْضع الإضمار قرينة عليه
والْمُرَاد بهداية الله تَعَالَى الدلالة بلطف عَلَى أنه نوع من التعريف السابق فالإيصال وعدمه
ليسا بمعتبرين فيها أَيْضًا. وقيل الْمُرَاد بكونها هداية اللَّه تَعَالَى أنها بخلقه وإحسانه فلا ينافي
إسنادها إلَى غيره مثل قوله تَعَالَى: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) الآية.
وقد قال أولًا إن الدلالة السالفة أعم من هذه فمراده ما ذكرنا من أن هدايته نوع من التعريف
السابق ومعرفًا به مع قيد الْإضَافَة إليه تَعَالَى أصل الإحصاء أن الحاسبب إذا بلغ عقدا متعينًا
من عقود الأعداد وضع عصاة ليحفظ بها فأصله العد بالإحصاء فاستعمل لمطلق العد
والْمَعْنَى لا يحصرها عَد ولا يطيق أحد عَد أنواعها فضلًا عن إفرادها فهي غير متناهية نوعًا
فضلًا عن فرد والتَّفْسير بأنه لا يحصي أفرادها الجزئية أحد بعيد ؛ إذ يخالف صريح كلام
الْمُصَنّف وخلاف الواقع أَيْضًا ؛ إذ الأفراد الجزئية للنوع الواحد منها غير متناهية فلا يحسن
أن يقال إن الأفراد الجزئية لمجموع أنواع الهداية غير متناهية فإنه لا يفهم منه أن أفراد كل
نوع منها غير متناهية وجه كونها غير متناهية أن ما دخل تحت الوجود وإن وجب كونها
متناهية لكن الأمور العدمية التي لها دخل في وجودها ليست كَذَلكَ ؛ إذ لا استحالة في أن
يكون شيء موانع غير قاهية فادتفاع تلك الموانع التي لا تتاهى أعني بقاءها عَلَى العدم
مع إمكان وجودها في نفسها في كل آنٍ من آنات الهداية أنواع من الهداية غير متناهية
بالبداهة حَقيقَة لا ادعاء كذا قرره بعض المتأخّرين في حل كون. نعم الله تَعَالَى غير متناهية
أنواعًا باليقين، ولك أن تقول: إن أنواع الهداية غير متناهية بمعنى لا تقف عند حد أو المراد