بالمال فإن إبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التهمة عنه) أي تعطوها مع الإخفاء عن غير
الفقراء والتعرض للإعطاء هنا دون الأول لأن إظهار الصدقات يشعر الإعطاء، وأما الإخفاء
فلا يشعره لأنه قد يكون بإظهار الفقر وإدخال مع عَلَى الإخفاء للتنبيه عَلَى إصابته في إفادة
الخيرية من الإبداء (خير لكم) من الابتداء. وأَشَارَ إلَى أن مرجع ضمير فهو الإخفاء المدلول
بقوله: (وإن تخفوها) والتَّعْبير في الأولى بـ (نعما) هي وهنا (فهو خير لكم)
يشعر أن الإبداء أمر ممدوح في نفسه، ولا يلاحظ فيه أفضلية بالْقيَاس إلَى الإخفاء، وأما في
الإخفاء فمعتبر فيه ذلك لكن الرّوَايَة عن ابْن عَبَّاسٍ - رضي الله تَعَالَى عنهما - تقتضي ملاحظة
الأفضلية فيهما وأن الْمُرَاد بالأول غير الْمُرَاد بالثاني، كما قرره المص فلا بد من نكتة في
الاكتفاء بالمدح بلا تعرض لأفضليته، وأَيْضًا إن كان الْمُرَاد التطوع لزم الاسْتخْدَام في ضمير
(وإن تحفوها) ؛ إذ الْمُرَاد بالصدقات المفروضة لمن عرف بالمال فالظَّاهر الإطلاق في
الموضعين وأن الإبداء ممدوح والإخفاء خير منه، كما نطق به النظم الكريم، والأثر والخبر
الواحد لا يفيد تَقْييد الإطلاق، وتَخْصيص الفقراء لأنهم أحوج بناء عَلَى أن الفقير من لا مال
له أصلًا، وحال من عداهم من المصارف يفهم من ذلك بدلالة النص أو بالْقيَاس عَلَى أن
الغرض هنا بيان أحوال الإبداء والإخفاء لا بيان المصارف للإعطاء فإنهم بينوا في مَوْضع
آخر بطَريق الاستيفاء فلا حاجة إلَى حمل الفقراء عَلَى المصارف جَميعًا كما في الكَشَّاف
ولهذا لم يتعرض له المص .
قوله: (وعن ابْن عَبَّاسٍ"صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفًا، وصدقة"
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
في صدقته وفي حق من لم يعرف بالمال من غير الغني. قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -"أفضل الصدقة جهد المقل"
إلى فقير في سر"."
قوله: عن ابْن عَبَّاسٍ:"صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفًا"أي مثلًا ذكر الإمام
في أن الإخفاء في صدقة التطوع أفضل وجوهًا الأول أنها[أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ.
قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يقبل الله مُسْمِعٍ وَلَا مُرَاءٍ وَلَا مَنَّانٍ»
وَالْمُتَحَدِّثُ بِصَدَقَتِهِ لَا شَكَّ أَنَّهُ يَطْلُبُ السُّمْعَةَ وَالْمُعْطِي فِي مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ يَطْلُبُ الرِّيَاءَ، وَالْإِخْفَاءُ وَالسُّكُوتُ هُوَ الْمُخَلِّصُ مِنْهُمَا، وَقَدْ بَالَغَ قَوْمٌ فِي قَصْدِ الْإِخْفَاءِ، وَاجْتَهَدُوا أَنْ لَا يَعْرِفَهُمُ الْآخِذُ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُلْقِيهِ فِي يَدِ أَعْمَى، وَبَعْضُهُمْ يُلْقِيهِ فِي طَرِيقِ الْفَقِيرِ، وَفِي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ حَيْثُ يَرَاهُ وَلَا يَرَى الْمُعْطِيَ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ يَشُدُّهُ فِي أَثْوَابِ الْفَقِيرِ وَهُوَ نَائِمٌ، وَبَعْضُهُمْ كَانَ يُوصِلُ إِلَى يَدِ الْفَقِيرِ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ، وَالْمَقْصُودُ عَنِ الْكُلِّ الِاحْتِرَازُ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْمِنَّةِ، لِأَنَّ الْفَقِيرَ إِذَا عَرَفَ الْمُعْطِيَ فَقَدْ حَصَلَ الرِّيَاءُ وَالْمِنَّةَ مَعًا وَلَيْسَ فِي مَعْرِفَةِ الْمُتَوَسِّطِ الرِّيَاءُ وَثَانِيهَا: أَنَّهُ إِذَا أَخْفَى صَدَقَتَهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بَيْنَ النَّاسِ شُهْرَةٌ وَمَدْحٌ وَتَعْظِيمٌ، فَكَانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَى النَّفْسِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَكْثَرَ ثَوَابًا وَثَالِثُهَا:
قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ إِلَى الْفَقِيرِ فِي سِرٍّ»
وَقَالَ أَيْضًا «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلًا فِي السِّرِّ يَكْتُبُهُ اللَّهُ لَهُ سِرًّا فَإِنْ أَظْهَرَهُ نُقِلَ مِنَ السِّرِّ وَكُتِبَ فِي الْعَلَانِيَةِ، فَإِنْ تَحَدَّثَ بِهِ نُقِلَ مِنَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَكُتِبَ فِي الرِّيَاءِ»
وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: أَحَدُهُمْ رَجُلٌ تَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ فَلَمْ تَعْلَمْ شِمَالُهُ بِمَا أَعْطَاهُ يَمِينُهُ»
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» "]."
وأمَّا الوجه في جواز