وإظهاره إما بالْقَوْل أو بالْفعْل (أو تخفوه) وما في الأنفس مختفي فإخفاؤه
كناية عن عدم الإظهار لأنه لازم له ؛ إذ حَقيقَة الإخفاء مشكل هنا، والْمُرَاد بالأنفس هنا
الْقُلُوب وبما فيها ما وقع فيها من نية خير والعزم عليه والسوء أَيْضًا والعزم عليه، وإنَّمَا اكتفى
المص بالأخير لأن قَوْلُه تَعَالَى: (فيغفر لمن يشاء) الآية. يقتضي ذلك ؛ إذ
الْمَغْفرَة والتعذيب من شأن السوء والعزم عليه. قوله لترتب الْمَغْفرَة الخ. إشَارَة إلَى وجه
تَخْصيص السوء، وَأَيْضًا تَخْصيص العزم معلل بذلك لأن مجرد ما خطر بالبال لا يعد ذنبًا
بدون العزم عليه حتى يغفر أو يعذب. قال في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)
الآية. والْمُرَاد بهمه ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري وذلك
مما لا يدخل تحت التكليف، ولهذه المسألة تفصيل في كتاب الإحياء والْمُخْتَار ما ذكر هنا
من استحقاق المؤاخذة من عزم عَلَى المعصية وصمم عليها ولم يعمل بها، وعدم المؤاخذة
بمجرد خطورها وميل الطبع إليها كما نطق به الآيات والأخبار وهو الْمُخْتَار عند الأبرار.
ومن كفَّ عن المعصية عند قيام هذا العزم المصمم إن تمكن من فعلها وكف عن تلك
المعصية خوفا من الله تَعَالَى يستحق المدح الجميل والأجر الجزيل وإلا فلا .
قوله: (يَوْم الْقيَامَة. وهو حجة على [من أنكر] الحساب كالمعتزلة والروافض) فإن هذه
الآية تدل عَلَى الحساب بحسب الظَّاهر والنصوص تحمل عَلَى ظواهرها حسب ما أمكن.
ولا ريب في إمكانه فيجب الحمل عليه، فلا يضرنا تأويلهم بما يخالف الظَّاهر بلا داع
وموجب يوجبه .
قوله: (مغفرته. [وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ] تعذيبه، وهو صريح في نفي وجوب التعذيب) لتعلقه [بالمشيئة] وما هو
واجب لا يتعلق به [المشيئة] ، وأما أن تلك [المشيئة] واجبة كمن يشاء صلاة الفرض فإنه لا
يقتضي عدم الوجوب فاحتمال ضعيف وإنه خلاف الظَّاهر ولم يذهب إليه أحد، وأَيْضًا لو
وجب [مشيئة] التعذيب لا مساغ [لمشيئة] الْمَغْفرَة بناء عَلَى زعمهم ويلزم منه أمر عظيم لم
يتجاسر عليه لئبم فضلًا عن كريم، وإنما قدم الْمَغْفرَة لأن رحمته سبقت عَلَى غضبه. وتقديم
التعذيب في سورة المائدة سيجيء وجهه .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فهو صريح في نفي وجوب التعذيب. هذا الْمَعْنَى مُسْتَفَاد من تعليق الْمَغْفرَة والتعذيب
[بالمشيئة] وهو ظَاهر .