قوله: (من التعذيب) إشَارَة إلَى ارتباطه بما قبله.
قوله: (لا يقدر عَلَى مثله منتقم) شديد النقمة هذا إما مُسْتَفَاد من التَّنْوين لأنه يفيد
التَّفْخيم أو مُسْتَفَاد من التَّعْبير بلفظ ذو؛ ولذا اختير عَلَى منتقم أو من التَّعْبير بالافتعال أو
لحمله عَلَى الله تَعَالَى وفعله تَعَالَى لا يقدر عليه وعلى مثله أحد (والنقمة) .
قوله: (عقوبة المجرم) يقال انتقمه إذا عاقبه بجنايته أي سبب جنايته أو بدل جنايته
والْقَوْل بأن النقمة مطلق العقوبة لا عقوبة المجرم مخالف للاسْتعْمَال ولو سلم إطلاقه عَلَى
العقوبة بدون جرم فهو مجاز. قال في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا)
الآية. وما أنكروا فهو معناه إذا تعدى بلفظة من، ومعنى العقوبة في غيره أو هو
معنى آخر له حَقيقَة كان أو مَجَازًا (والْفعْل منه نقم بالفتح والكسر) .
قوله: (وهو) أي هذا الْقَوْل (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) وعيد) إن أريد
بالموصول كفرة مَخْصُوصون من أهل الْكتَابين أو منهم ومن غيرهم فالأمر واضح، وإن
أريد الجنس فيخص منهم من آمن ومات عَلَى الإيمان فهو عام خص منه البعض (جيء به
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي شيء كائن في العالم هذه الآية وعيد عَلَى وعيد وتهديد شديد بأنه تَعَالَى عالم
بجميع ما صدر من العبد من ظواهره وبواطنه من أفعاله وأعماله. يريد أن الْمُرَاد لا يخفى عليه شيء
في العالم لكن عبر عن العالم بالْأَرْض والسماء؛ لأن الحس لا يتجاوزهما. اتفق العلماء عَلَى أن
مقتضى الظَّاهر أن يقال لا يخفى عليه شيء في العالم، كما قال المص رحمه الله ولكن اختلفوا في
سبب العدول عن الظَّاهر إلَى ما عليه التلاوة فقال المص إنه من باب التَّعْبير عن الكل باسم بعض
الأجزاء المشاهد المحسوس لكون إدراك الحس مقصورًا عَلَى ذلك غير متجاوز عنه. وقال الفاضل
الطيبي: إنما اختيرت تلك العبارة عَلَى الظَّاهر يدل عَلَى مزيد تصوير جزئيات العالم ودقائقه وخفاياه
ليكون الْكَلَام أدل عَلَى الوعيد وأنه تَعَالَى يعاقبهم عَلَى النقير والقطمير ويجازيهم عَلَى كفرهم
بكتب الله كتابًا غب كتاب وعلى تَكْذيبهم لآياته آية بعد آية. قيل قول الطيبي يدل عَلَى مزيد تصوير
جزئيات العالم ودقائقه وخفاياه ليس بصحيح لأن ذكر الْأَرْض والسماء بإطلاقهما لا يدل عَلَى
تصوير جزئياتهما فضلًا عن دلالته عَلَى مزيد ذلك سلمناه لكن لا دلالة فيه عَلَى تصوير جزئيات
العالم لأن جزئيات الأخص لا تدل عَلَى جزئيات الأعم. أقول: تصوير الخاص لمشمولاته أجلى
وأزيد من تصوير العام لأفراده فإن دلالة كل من الجنس والنوع عَلَى ما تحته من الجزئيات وإن
كانت دلالة إجمالية لكن فرق بين إجمال النوع واجبال الجنس، فإن في إجمال النوع نوع تفصيل
ليس في إجمال الجنس وذلك ظاهر، وأما دلالة ما في الْأَرْض والسماء عَلَى جميع ما في العالم
فبطريق استتباع ذكر أعظم جزئي من جزئيات الكلي وأظهره لما سواه من الجزئيات، وَأَيْضًا فقد
يذكر الْأَرْض والسماء في التعارف ويراد به جميع العالم فهما بناء عَلَى العرف يعبر بهما عن العالم
فإن معظم أجزاء الشيء يعبر به عن ذلك الشيء.