أوَّلُوه بما هُوَ الْمُنَاسب له غير جازمين له فالعلم بكنهه مَخْصُوص به تَعَالَى فعلم منه أن
النزاع بين الفريقين لفظي لا معنوي كَيْفَ لا والمص صرح في أوائل البقرة بأن الحروف
المقطعات في أوائل السور كـ الم وحم وطس. قيل إنه سر استأثر الله تَعَالَى بعلمه إلَى آخره
فإن حمل المتشابه في هذه عَلَى مثل هذه الْمَذْكُورات يجب الوقف عند الأئمة الشَّافعية كما
يجب عند الأئمة الْحَنَفيَّة وإن حمل عَلَى غيره لا يجب الوقف عندهم جَميعًا وإن علماءنا
اصطلحوا عَلَى أن المتشابه ما لا يدرك الْمُرَاد منه أصلًا، [والشَّافعيَّة] اصطلحوا عَلَى أن
المتشابه ما لم يتضح الْمَعْنَى لاحتمال ولا مشاحة في الاصْطلَاح. وبعض علماءنا اختار هذا
الْمَعْنَى في المتشابه الْمَذْكُور في هذه الآية. كما مَرَّ غير مرة، وأما ما ذكر في أصولنا من أن
المتشابه حكمه التوقف عَلَى اعتقاد الحقية عندنا بناء عَلَى قراءة الوقف عَلَى (اللهُ) فبناء عَلَى
اصْطلَاحهم كما مَرَّ عرفته والعدول عن اصْطلَاحهم لقرينة غير بعيد. والحاصل أن فيه ثلاثة
مذاهب منهم من وقف عَلَى (إلا الله) ومنهم من وقف عَلَى (الراسخون) ومنهم من جوز
الأمرين. وقد عرفت أن النزاع لفظي فتأمل حق التأمل .
قوله: (اسْتئْنَاف) أي جملة ابتدائية مسوقة لحال الراسخين لا اسْتئْنَاف معاني. قوله
(موضح لحال الراسخين) إشَارَة إلَى وجه اختيار الفصل عَلَى الوصل، وصيغة الْمُضَارِع لحكاية
الحال الْمَاضية و (آمَنَّا به) هنا خبر لا إنشاء، وأما في قَوْله تَعَالَى: (وإذا لقوا الَّذينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا)
فإنشاء أو الْمُضَارِع للاسْتمْرَار وهذا (أو حال منهم) أي حال مؤكدة فـ [حِينَئِذٍ] يكون
متعلقًا بما قبله لفظًا ومعنى، وأما في الأول فهو متعلق به معنى فقط. أشار إليه بقوله موضح الخ.
هذا عَلَى تقدير أن يكون الراسخون عطفًا عَلَى اللَّه كما هُوَ الْمُخْتَار عنده ولذا قدمه .
قوله: (أو خبر) لأولى وخبر (إن جعلته مبتدأ) بالواو. وفي قوله إن جعلته بكلمة
الشك إشَارَة إلَى وهن هذا الاحتمال، وقد عرفت ما هُوَ التحقيق واختياره جملة لتقوية
الحكم والْمُضَارِع لما مَرَّ. وهذا لا يقتضي عدم علمهم بتأويل شيء من المتشابه؛ ولهذا جمع
بينه وبين المحكم بل يقتضي عدم علمهم تأويل متشابه استأثر اللَّه بعلمه أو ما دل القاطع
على أن ظاهره ليس بمراد ويصح الحكم عَلَى الجميع باعْتبَار بعض أفراده كما أن في صورة
عطف الراسخين لا يقتضي علم تأويل كل متشابه ؛ إذ العلم ببعض المتشابه مَخْصُوص به
تَعَالَى اتفاقًا كما عرفته، فالمآل في كلا التوجيهين واحد. فاتضح أَيْضًا أن النزاع لفظي (كُلٌّ