وجه النهار (بأن يؤتى) قدر الباء بجعل الإيمان بمعنى الاعتراف ولم يجعل الإيمان باقيًا
على حقيقته حتى يستغنى عن التقدير لأنه غير مراد هنا كما لا يخفى. وقيل ولو أبقاه
على حقيقته لاستغنى عن التقدير أي ولا تظهر وا تصديقكم أن يؤتى(أحد مثل ما أوتيتم
إلا لأشياعكم)انتهى. فعلى هذا البيان يكون إشَارَة إلَى وجه ثالث لقوله: (ولا تؤمنوا)
لكن التصديق القلبي أن يؤتى أحد وقوعه من الْيَهُود محل نظر إلا أن
يقال إن هذا التصديق ليس بإيمان لعدم قبولهم بالاختيار ويؤيده قَوْلُه تَعَالَى:(الَّذينَ
آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)الآية.(ولا تفشوه إلَى
الْمُسْلمينَ لئلا يزيد ثباتهم ولا إلَى المشركين لئلا يدعوهم إلَى الْإسْلَام).
قوله: (وقوله(قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) اعتراض) أي عَلَى هذا
الوجه الثاني لا بأول فإنه عَلَى الأول كلام الله تَعَالَى كما أن (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ)
كَذَلكَ وفَائدَة الاعتراض ما ذكره بقوله(يدل عَلَى أن كيدهم لا [يجدي]
بطائل) أو خبر إن هذا وجه ثالث لقوله: (أن يؤتى) والبدل بدل الكل
واحتمال بدل البعض ضعيف، وفَائدَة البدل التقرير مع التعظيم الهدى حمل أن يؤتى أحد مع
أنه وصف لأحد عَلَى الهدى مع أنه وصف له تَعَالَى ببدلية هدى الله منه إما بتقدير الْمُضَاف.
أي هداية أن يؤتى أو الهدى مبني للمَفْعُول عَلَى أن هدى الله بدل من الهدى بدل الاشتمال
منه (وقراءة ابن كثير [أأن] يؤتى عَلَى الاسْتفْهَام) لما كان التقدير خلاف الظَّاهر أيده بقراءة ابن
كثير. وجه التأييد إن الاسْتفْهَام لاقتضائه المدارة كان تعلقه بالْمَحْذُوف المؤخر متعينًا ولا
يتعلق بما قبله، واتحاد القراءتين لما لم يكن واجبًا بل كان حسنًا قال يؤيد ولم يقل يدل. قوله
(للتقريع) أي الاسْتفْهَام [للإنكار] الواقعي. وحاصله التقريع والتوبيخ عَلَى التدبير المزور فإن
الاسْتفْهَام وإن دخل عَلَى الْفعْل لكن الإنكار مسلط عَلَى الْمَحْذُوف لأنه داخل عليه في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
والْمَعْنَى أسروا تصديقكم بأن الْمُسْلمينَ أُوتُوا كتابًا سماويًا مثل ما أوتيتم التَّوْرَاة ونبيًا مرسلا كموسى
عَلَيْهِ السَّلَامُ، وأنهم يحاجوكم فيحجوكم يَوْم الْقيَامَة، ولا تفشوه إلا لمن تبع دينكم وحدهم دون
المسلمين لئلا يزيدوا ثباتًا، ودون الْمُشْركينَ لئلا يكون سببًا لدخولهم في الْإسْلَام فحِينَئِذٍ يكون قولهم
ولا تؤمنوا نهيًا عن الإظهار أمرًا بضده من إسرار التصديق بذلك. فإن قيل كان تصديقهم بالأمرين جَميعًا
فما وجه كلمة الترديد في قوله (أو يحاجوكم) ؟ أجيب بأن النهي عَلَى وجه الترديد
أبلغ كما في قوله: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) فعلى هذا الوجه وهو أن يكون(أن
يؤتى)متعلقًا بـ لا تؤمنوا يكون قوله عزوجل: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) اعتراضًا في
البين للدلالة عَلَى أن كيدهم لا يجدي بطائل. يعني [أن] الله تَعَالَى لما حكى كلامهم أنهم ينهون عن
إظهار الإيمان للمسلمين قال إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ تنبيهًا عَلَى أن احتيالهم وإخفاءهم الإيمان لا يجديهم
بل اللَّه يَهْدي من يشاء لزيادة الثبات [من] الْمُسْلمينَ وللإسلام من المشركين.
قوله: أو خبر إن عطف عَلَى متعلق بمَحْذُوف، فالْمَعْنَى(قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ
[أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ] )حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا
حجتكم. قَالُوا كلمة (أو) عَلَى هذا الوجه في أو يحاجوكم بمعنى إلَى أن. أي إلَى أن يحاجوكم.