الجبل) فإن هذه الْمَذْكُورات مما يلجئ إلَى الإيمان الشرعي ففي صورة النتق إسلامهم
مقبول إن ثبتوا عليه، وأما في الأخيرين فالإيمان في حال اليأس فلا ينفع وبعضهم حملوا
الْإسْلَام عَلَى الْإسْلَام اللغوي أي الانقياد الظاهري وغرضه دفع الإشكال بأن الكل لم
يسلموا بالْإسْلَام الشرعي فأجابوا بأن الْمُرَاد له الانقياد والْخُضُوع والمص أَشَارَ إلَى الْجَوَاب
عن هذا الإشكال بأن الكل أسلموا بالْإسْلَام الشرعي طوعًا وهو أهل السَّمَاوَات بأجمعهم
وبعض أهل الْأَرْض وهم الْمُؤْمنُونَ وكرهًا وهو مختص بأهل الْأَرْض فمنهم من كان إسلامه
مقبولًا وهو الْإسْلَام في غير حال اليأس إن ثبتوا عليه ومنهم من كان إسلامه مردودًا
كالإيمان في حال اليأس (وإدراك الغرق) كما وقع لفرعون (والإشراف عَلَى الموت) وهو
الواقع لكل الكفرة الفجرة وكلاهما مثال للإسلام الغير المقبول.
قوله: (أو مختارين كالْمَلَائكَة والْمُؤْمنينَ أو مسخرين كالكفرة) هذا تفسير آخر وحمل
الْإسْلَام عَلَى الْمَعْنَى اللغوي أي الْمُرَاد بـ (طوعًا) الاختيار وبالكره التسخير أو السخر فإن انقياد
الْمُؤْمنينَ بسهولة وانقياد الْكَافرينَ بمشقة وإباء من النفس فهم مسخرون لحكم القضاء وما
أراد الله بهم ومن جملة ما أراد الله بهم الكفر فهم مجبورون ومسخرون عَلَى ما هم عليه
لأن الله تَعَالَى لم يرد إرشادهم بحسب انهماكهم وإعراضهم من الدلائل فضربت قلوبهم
بالكفر وبصائرهم عن الحق عميت فأحدثت هيئة في قُلُوبهمْ تمرنهم عَلَى استحباب الكفر
والمعاصي واستقباح الإيمان والطاعات وإليه أشير في قَوْله تَعَالَى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)
الآية. وهذا أي إحداث هذه الهيئة هُوَ الْمُرَاد بالجبر والتسخير ولهم اختيارات
جزئية أبطلوها بالإصرار عَلَى الكفر فيصيرون كالمجبورين في حال البقاء لإفسادهم الاختيار
الجزئي، وقد صرح بعض العلماء بأنهم مجبورون في الحالة الثانية وإن كان لهم إرادات
جزئية في الحالة الأولى كما أشير إليه في قَوْله تَعَالَى:(سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ
فِي الْأَرْضِ)الآية. فمن قال إنه مذهب الجبرية فقد خرج عن
الإنصاف وليت شعري ماذا يقول في تفسير (خَتَمَ اللَّهُ) سأصرف وبهذا
اضمحل ما قيل إن الكفرة لو لم يكُونُوا مختارين لم يتوجه التعذيب لأنهم مختارون في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى تقدير. وقيل لهم، وإنَّمَا ارتكب في القراءة بالتاء الفوقانية إلَى تقدير الْقَوْل ولم يجعله
من باب الالْتفَات من الغيبة إلَى الخطاب لأن المأخوذ عليهم بالميثاق أمم قد مضت وانقرضت حِينَئِذٍ
وليسوا بحاضرين وقت الخطاب فلا معنى لتوجيه الخطاب إلَى الْمَاضِين فلا بد من تقدير الْقَوْل
كالخطابات السابقة من قوله: (لما آتيتكم) و (ثم جاءكم)
و (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) و (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) لأن أخذ الميثاق
يكون بالْقَوْل وكذا قوله أقررتم وأخذتم وأنا معكم واقع في حيز الْقَوْل.