قوله:(في ضياعه بحرث كفار ضربته صر فاستأصلته ولم يبق لهم فيه منفعة ما في
الدُّنْيَا والْآخرَة، وهو من التشبيه المركب ولذلك لم يبال بإيلاء كلمة التشبيه الريح دون
الحرث، ويجوز أن يقدر كمثل مهلك ريح وهو الحرث)من التشبيه المركب وهو كون كل
من المشبه والمشبه به هيئة حاصلة من عدة أمور قد تضامت وتلاصفت حتى عادت شَيْئًا
واحدًا فالْمُنَاسب أن يقال فيما سبق، والْمُرَاد تشبيه حال ما أنفقوا بحال حرث كفار الخ. قوله
ولذلك لم يبال بإيلاء الخ. قد ولي حرف التشبيه المشبه به المركب المعبر عنه بمفرد دال
عليه وهو المثل كذا في المطول، فقوله بإيلاء كلمة التَّشْبِيه الريح لا يظهر وجهه؛ إذ لا إيلاء
كلمة التَّشْبِيه الريح بل إيلائه المثل وهو المشبه به المركب. والْمَعْنَى مثل ما ينفقون أي حاله
وقصته العجيبة كمثل ريح كحال ريح وقصته وما ذكره إنما يتم في مثل قَوْلُه تَعَالَى:
(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ) الآية. حيث لم يذكر المثل
دون مثل ما ذكر هنا. قوله مهلَك ريح مهلك بصيغة اسم الْمَفْعُول والتشبيه مركب أيضًا
لوجود المثل وعلى هذا يكون من المركب الحسي والأول من المركب العقلي. قيل ويجوز
أن يكون من التشبيه المفرق فيشبه إهلاك الله تَعَالَى بإهلاك الريح، والمنفق بالحرث، وجعل
الله تَعَالَى أعمالهم هباء بما في الريح الباردة من جعله حطامًا انتهى. وإهلاك الريح إهلاك الله
أَيْضًا فيلزمه تشبيه الشيء بنفسه فالصواب تشبيه المركب بالمركب.
قوله: (أي ما ظلم المنفقين بضياع نفقاتهم ولكنهم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ لما لم ينفقوها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو من التَّشبيه المركب هُوَ جواب سؤال عسى يرد هَاهُنَا تقرير السؤال أن المشبه ما
أنفقه الْكُفَّار والمشبه به الحرث المهلَك بالبرد، فعلى هذا كان مقتضى الظَّاهر أن يدخل أداة التشبيه
على الحرث لا عَلَى الريح. فأجاب بأن هذا من باب تشبيه المركب بالمركب والمنظور في ذلك
تشبيه حال منتزعة من أمور بحال مثلها فعلى أي مفرد من مفردات طرف المشبه به يدخل الكاف
يكفي في التشبيه، ولا يلزم فيه أن يكون ما يلي أداة التشبيه المشبه به كقَوْله تَعَالَى:(إِنَّمَا مَثَلُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [كَمَاءٍ] )وقد استوفى الْكَلَام في بيان ذلك في تفسير قَوْلُه تَعَالَى(أَوْ
كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ)ودخول الأداة عَلَى المثل يأبى أن يكون من تشبيه المفرد بالمفرد
على ما توهمه البعض لكن يجب في التشبيه المركب أن يراعي فيما أُضيف إليه المثل في الجانبين
المناسبة كما قدر في (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ) ما يناسب المشبه به
فقَالُوا تقديره مثل داعي الَّذينَ كَفَرُوا لمناسبة الداعي للناعق، كما أشار إليه المص بقوله ويجوز أن
يقدر كمثل مهلَك ريح وهو الحرث فإن المقدر الذي هُوَ المهلَك يناسب الحرث بل هُوَ باعْتبَار ما
صدق عليه وإن كان غيره بحسب المفهوم
قوله: أو ما ظلم أصحاب الحرث. فسر الظلم المنفي عَلَى وَجْهَيْن: الوجه الأول ناظر إلَى
طرف المشبه والثاني إلَى طرف المشبه به.
قوله: أي ولكن أنفسهم يظلمونها. قدر ضمير الْمَفْعُول لوجوب الربط من خبر لكن إلَى اسمه
ولم يجعل نصب أنفسهم عَلَى أنه مَفْعُول يظلمون؛ إذ يلزم حِينَئِذٍ حذف ضمير الشأن المنصوب
بـ لكن وهذا لا يجوز، كَمَا صَرَّحَ به بقوله ولا يقدر ضمير الشأن.