فهرس الكتاب

الصفحة 2938 من 10841

ونفيه عَلَى طريقة البرهان) جواب سؤال مقدر بأن علمه تَعَالَى أزلي لا يتوقف عَلَى وقوع

شيء فأجاب أولًا بالتسليم أي سلمنا أن الْمُرَاد بالعلم في أمثاله العلم الأزلي لكن القصد

ليس إلَى إثبات العلم حتى يلزم توقف علمه تَعَالَى بوقوع الأشياء مع كونه أزليًا والشيء

الواقع حادثًا بل إلَى إثبات المعلوم بالبرهان، فكأنه قيل المعلوم ثابت لأن العلم به واقع، وكل

ما هذا شأنه فهو ثابت، وكذا في نقائضه كقَوْله تَعَالَى: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ)

المقصود نفي المعلوم مع دليله كأنه قيل الشيء الفلاني منتفٍ لأنه لم

يتعلق العلم بوجوده، وكل ما هذا شأنه فهو منتفٍ .

قوله: (وقيل معناه ليعلمهم علمًا يتعلق به الْجَزَاء وهو العلم بالشيء موجودًا) جواب

بالمنع أي لا نسلم كون الْمُرَاد بالعلم هنا العلم الأزلي، بل الْمُرَاد العلم عَلَى وجه يتعلق به

الْجَزَاء من الثواب أو العقاب، وهو العلم بالشيء موجودًا وهذا هُوَ التعلق الحادث وهو تعلق

العلم بأن الشيء وجد الآن أو قبل أو عدم الآن أو قبل، فهذا العلم يجوز أن يكون معللًا

بالشيء الحادث والتعلق الأزلي هُوَ التعلق باعْتبَار أن الشيء سيوجد أو سيعدم وهذا التعلق

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

قوله: وقيل معناه ليلعهم علمًا يتعلق به الْجَزَاء وهو العلم بالشيء موجودًا. هذا الوجه مبني

على أن يراد بالعلم حقيقته بخلاف الوجه الأول فإنه عَلَى التَّجَوُّز، وهذا الوجه الأخير مرجعه إلَى

تعلق العلم لا إلَى نفس العلم وإلا يلزم حدوث علمه تَعَالَى؛ لأن العلم تابع للمعلوم إذا كان المعلوم

قديمًا كان العلم به قديمًا، وإن كان المعلوم حادثًا كان العلم حادثًا، فالعلم بالشيء موجودًا خارجيًا

غير العلم به قبله، فوجب أن يراد بالعلم بالشيء موجودًا تعلق العلم به موجودًا. قال بعضهم لا شك

أن الله تَعَالَى عالم بجميع الأشياء قبل وجودها، لكن العلم بها قبل الوجود علم بالغيب والعلم بها

في زمان الوجود علم بطَريق المشاهدة، وهو الذي يتعلق به الْجَزَاء ضرورة أن الْجَزَاء يترتب عَلَى

وجود الأفعال، وهو لا ينافي إحاطة علم الله بجميع الأشياء. وأورد عليه بأن العلم الذي يتعلق به

الْجَزَاء إذا لم يكن حاصلًا له تَعَالَى ثم يحدث بعد ذلك واتصف به كان ذاته محلًا للحوادث وهو

محال. ثم قَالَ والحق الصريح الذي لا محيد عنه أن علم الله تَعَالَى لا يتغير أصلًا وأنه متعلق

بالكائنات مشاهدة، وإن لم توجد لأنها موجودة في أزمنتها حاضرة للَّه تَعَالَى سواء كانت موجودة في

الزمان الْمَاضي أو الحال أو المستقبل فليس علمه إلا المشهود المحض ونسبة الأزمنة إلَى الله تَعَالَى

على السوية لا يتغير علمه بتغيرها. وقال بعض الأفاضل: صفات الباري تَعَالَى منها إضافات لا وجود

لها في الأعيان وهي متبدلة ومتغيرة، وتغيرها لا يستلزم تغير العلم والقدرة والإرادة فلا يلزم كون

ذاته محلًا للحوادث وإنما يلزم ذلك أن لو كانت الْإضَافَة من الصفات المتقررة في ذاته تَعَالَى

ويؤيده أن العلم بالكلي لا يكفي للعلم بالجزئي فلا بد للجزئي من علم آخر، والعلم في نفسه واحد

ليس إلا، فتعين أن يكون التغاير بحسب التعلق لا محالة، وهذا لا خلاف فيه لأحد. أقول: هذا قول

مَشْهُور يجاب في مواضع موهمة بحسب الظَّاهر حدوث علمه سبحانه وتَعَالَى، وأما الْقَوْل الأول

الذي نقلناه قبله عن صاحبه قول متين غريب لقطع عرق الإشكال من أصله ويملك الْقُلُوب

ويملؤها انشراحًا ، لكن يصح تفسير ما في الآية هنا بذلك عَلَى الوجه الثاني؛ لأن الوجه الثاني مبني

على تجدد التعلق، وتعلق علم الله عَلَى ذلك الْمَعْنَى قديم كالعلم، ويصح عَلَى الوجه الأول المبني

على التجوز؛ لأن الْمُرَاد بالعلم عَلَى ذلك الوجه التمييز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت