لأنها مظنة التوقع فإن المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها أي بقد فيه تأمل.
قوله: (أي وعده إياكم بالنصر بشرط التَّقْوَى والصبر) أَشَارَ إلَى أن وعده مَفْعُول ثانٍ
صريحًا لـ صدقكم. وقيل نصب بنزع الخافض أي في وعده ولم يلتفت إليه هنا. قوله إياكم
مَفْعُول مَحْذُوف لوعده فإنه متعد إلَى مَفْعُولَيْن أَيْضًا بالنصر أي عَلَى المشركين في أحد شرط
التَّقْوَى والصبر أي عَلَى الجهاد بقوله: (بلى إن تصبروا وتتقوا) الآية.
قوله: (وكان كَذَلكَ) أي النصر كان متحققًا ما دام الشرط موجودًا.
قوله: (حتى خالف الرماة) الشرط وهو الصبر أي تركوا الصبر فوقع ما وقع من غلبة
الْمُشْركينَ ظاهرًا والظَّاهر أن الْمُرَاد بالوعد ما وعد الله تَعَالَى عَلَى لسان لبيه عَلَيْهِ السَّلَامُ من
النصر حيث قال للرماة لا تبرحوا عن مكانكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم.
قوله:(فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرماة يرشقونهم بالنبل والباقون يضربونهم
بالسيف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم)الرماة جمع رام وهم راموا السهم ومعنى
يرشقونهم يرمونهم بالسهام.
قوله: (تقتلونهم من حسه إذا أبطل حسه) تقتلونهم قتلا كثيرًا فاشيًا؛ إذ التَّعْبير
بـ (تحسونهم) يفيد ذلك. قوله من حسه الخ. أي هذا الْمَعْنَى لهذا المبنى بناء عَلَى أنه مأخوذ من
حسه إذا أبطل حسه فهو لازم للقتل فذكر الملزوم وأريد اللازم أو بالعكس [إذ أصل] معنى
حَسَّه أصاب حاسته بآفة فأبطلها مثل كبده يقال كبد الرجل كبدًا إذا وجعت كبده وكبده إذا
أصابه بوجع في الكبد وهو ظرف لـ (صدقكم) ، والْمُرَاد الوقت المتسع الممتد إلَى أن فشلوا فـ [حِينَئِذٍ]
ينتهي وقت النصر لفقد الشرط.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي وعده إياهم بالنصر بشرط التقوى والصبر الْمُرَاد وعده إياكم بقوله فيما تقدم(إِنْ
تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ).
قوله: وكان كَذَلكَ حتى خالف الرماة وكان النصر مع الْمُسْلمينَ في الابتداء حتى خالف الرماة
أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للرماة لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ما دمتم
في هذا المكان. قال مُحَمَّد بن كعب لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلَى المدينة من أحد وقد
أصابهم ما أصابهم قال ناس من أصحابه من أين أصابنا. هذا وقد وعدنا الله النصر فأنزل الله تَعَالَى:
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) بالنصر والظفر وذلك أن الظفر كان للمسلمين في
الابتداء قبل مخالفة الرماة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالثبات في مكانهم. قوله يرشقونهم: الرشق الرمي يقال قد
رشقته بالنبل أرشقه رشقًا فإذا رمى القوم بأجمعهم في جهة واحدة قَالُوا رمينا رشقًا
قوله: إذا أبطل حسه. فالهمزة فيه للإزالة كما في أشكيته بمعنى أزلت شكايته فكان الإحساس
بهذا الْمَعْنَى مناسبًا لمعنى القتل ولذا فسره بتقتلونهم.