قوله: (جبنتم وضعف رأيكم) أصل الفشل الجبن ومنشأه ضعف الرأي ولهذا عطف
قوله: وضعف رأيكم عليه عطف العلة عَلَى المعلول .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: جبنتم وضعف رأيكم. حتى للدلالة عَلَى أن الله تَعَالَى نصرهم إلَى هذه الغاية وهي
عروض الجبن لهم وصدور العصيان عنهم فحين جبنوا انقطع زمان النصر وآل أمرهم إلَى الرجوع
عن مَوْضع القتال، فعلى هذا يكون حتى بمعنى (إلَى أن) أو (إلَى حين) ولا يكون إذا للشرط بل يكون
بمعنى مجرد الوقت، وأما إذا كان للشرط يكون الْجَوَاب محذوفًا، وعلى هذا الْقَوْل[اخْتَلَفُوا فِي الْجَوَابِ عَلَى وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ جَوَابَهُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مَنَعَكُمُ اللَّهُ نَصْرَهُ، وَإِنَّمَا حَسُنَ حَذْفُ هَذَا الْجَوَابِ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ عَلَيْهِ، وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ، قَالَ تَعَالَى: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) وَالتَّقْدِيرُ: فَافْعَلْ، ثُمَّ أُسْقِطَ هَذَا الْجَوَابُ لِدَلَالَةِ هَذَا الْكَلَامِ عليه، وقال: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ) وَالتَّقْدِيرُ: أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ كَمَنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ؟
الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَاخْتِيَارُ الْفَرَّاءِ أَنَّ جَوَابَهُ هُوَ قَوْلُهُ: وَعَصَيْتُمْ وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ كَمَا قَالَ: (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ) وَالْمَعْنَى نَادَيْنَاهُ، كَذَا هَاهُنَا، الْفَشَلُ وَالتَّنَازُعُ صَارَ مُوجِبًا لِلْعِصْيَانِ] . والعصيان مسبب عنهما مترتب عليهما ترتب الْجَزَاء
على الشرط وينصر هذا المذهب ما قال بعضهم[إن مِنْ مَذْهَبِ الْعَرَبِ إِدْخَالَ الْوَاوِ فِي جَوَابِ «حَتَّى إِذَا»
بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تعالى: (حَتَّى إِذا جاءُوها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها) وَالتَّقْدِيرُ حتى إذا جاؤها
فُتِحَتْ لَهُمْ أَبْوَابُهَا] . الثالث أن جوابه صرتم فريقين إلا أنه أسقط لأن قوله:(منكم من يريد الدُّنْيَا
ومنكم من يريد الْآخرَة)يفيد فائدته ويؤدي معناه لأن كلمة مِنْ لِلتَّبْعِيضِ فهي
من تفيد هذا الانقسام. الرابع أن الْجَوَاب هُوَ قوله (صرفكم عنهم) والتقدير حتى إذا فشلتم وكذا
(صرفكم عنهم) وكلمة (ثم) هَاهُنَا كالساقطة وهذا الوجه أبعد فعلى جعل إذا شرطية يكون (حتى) ابتدائية
داخلة عَلَى الْجُمْلَة. وجملة الْكَلَام هَاهُنَا ما قَالُوا إن حتى تجيء عَلَى وجوه ثلاثة: أحدها أن يكون
حرف جر وهي في معنى إلَى لانتهاء الغاية إلا أن مجرورها يجب أن يكون شَيْئًا ينتهي به الْمَذْكُور
قبها نحو أكلت السمكة حتى رأسها فإن الرأس ينتهي به السمكة أو شَيْئًا ينتهي عنده الْمَذْكُور نحو
نمت البارحة حتى الصباح لكن البارحة تنتهي عند الصباح، وذلك لأن وضعها للدلالة عَلَى تقضي
الْفعْل ثئاً فشَيْئًا إلَى أن يأتي عَلَى الشيء المتعلق به فلا بد من انتهائه إليه ومجرور إلَى لا يجب أن
يكون بهذه المثابة كما في قوله تَعَالَى: (وأيديكم إلَى المرافق) فإن الأيدي لا تنتهي
بالمرافق ولا عندها، وأما دخول مجرور حتى في حكم ما قبلها فجائز أن يكون وأن لا يكون كما
في مجرور إلَى، والثاني أن يكون حرف عطف وهي في هذا الوجه جارية مجرى الجارة في تضمنها
معنى الغاية وأن ما قبلها ينقضي شَيْئًا فشَيْئًا إلَى أن يبلغ نهايته فلذلك وجب أن يكون مدخولها آخر
جزء من الْمَعْطُوف عليه إما أفضله أو أدونه؛ لأن ابتداء الْفعْل إن اعتبر من الأدنى كان الانتهاء إلَى
الأفضل نحو مات النَّاس حتى الْأَنْبيَاء وإن اعتبر من الأفضل كان الانتهاء إلَى الأدنى نحو قدم
الحجاج حتى المشاة. والثالث أن يكون حرف ابتداء يستأنف بها الْكَلَام نحو أكلت السمكة حتى
رأسها مأكول إذا عرفت هذا فنقول حتى في قَوْله تَعَالَى (حتى إذا فشلتم)
ليست عاطفة لأن حتى العاطفة تجمع بين الأول والثاني في الحكم ولا اجتماع هنا فيه لأن قوله
(صدقكم اللَّه وعده) كناية عن النصر ؛ إذ النصر مستلزم لصدق الوعد وعند
الفشل لا نصر فهي إما حرف ابتداء أو حرف جر فإن كانت حرف ابتداء فلا بد أن يكون إذا شرطية
وجوابها مَحْذُوفًا وهو متعلق حتى إذا ليكون الواقع بعد حتى الابتدائية جملة وإن كانت حرف جر