في النظم الجليل إيجاز الحذف ؛ إذ التقدير إذا ضربوا في الْأَرْض وماتوا أو كانوا غزى فقتلوا
بقرينة قولهم (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) ومنشأ قولهم لأجل إخوانهم موتهم أو قتلهم
لا مجرد السفر والغزى وزمان وقوع الضرب والموت والكون غزى والقتل زمان ممتد
فيصح أن يجعل ظرفًا للْقَوْل الواقع في بعض أجزائه .
قوله: (جمع غاز كعاف وعفى) لما كان جمع فاعل عَلَى فعل بالتشديد قليلًا كفاسق
وفسق استشهد عليه بقول امرئ القيس:
عفى الحياض أجون. كذا في الكَشَّاف. أوله:
ومغبرة الآفاق خاشعة الصوى ... لها قلب عفى الحياض أجون
يصف مفازة لم تسلك قبله. والصوى جمع صوة وهي الحجارة تنصب علمًا للمفازة
والقلب جمع قليب وهي البئر القديمة وعافٍ بمهملة وفاء بمعنى دارس من عفا المنزل إذا
اندرس ومحا. وأجون جمع آجنة بمعنى متغيرة والمص اكتفى بمحل الاستشهاد(مفعول
قَالُوا وهو يدل عَلَى أن إخوانهم لم يكُونُوا مخاطبين به).
قوله: (متعلق بقَالُوا عَلَى أن اللام لام العاقبة مثلها في(لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)
خارج عن وجه التشبيه ولما لم يكن علة غائية للْقَوْل الْمَذْكُور لأن العاقل لا
يطلب بقوله ولا فعله كون ذلك (حسرة في قُلُوبهمْ) حمل اللام عَلَى العاقبة بهذه القرينة. والْمَعْنَى
عاقبة قولهم الْمَذْكُور وما يترتب عليه الحسرة والندامة وإن لم يقصدوه بقولهم شبه ترتب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو يدل عَلَى أن إخوانهم لم يكُونُوا مخاطبين. وجه الدلالة مجيء الأفعال أعني إذا
ضربوا، أو كانوا، لو كانوا، [ما] ماتوا، وما قتلوا. عَلَى صيغة الغيبة فإنه لو كان إخوانهم مخاطبين لكان
الوجه أن يقال لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم؛ ولذا قال في تفسير (لإخوانهم) لأجل إخوانهم ولو لم
يفسر بذلك لزم أن يكون إخوانهم مخاطبين فيشكل التَّعْبير بالغيبة في الأفعال الْمَذْكُورة. أقول: يمكن
أن يقال يجوز أن يكون الْمُرَاد من إخوانهم بعض الْمُنَافقينَ ويكون الخطاب مع هذا البعض، فمعنى
(وقَالُوا لإخوانهم) قال بعضهم لبعض إذا ضرب أصحاب مُحَمَّدٍ ومتبعوه في الْأَرْض أو كانوا غزا
فماتوا أو قتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، ومع هذا الاحتمال يكونون مخاطبين ويكون معنى
الأخوة الاتفاق في المذهب .
قوله: متعلق بـ (قَالُوا) فعلى هذا يكون (ليجعل) داخلًا في صلة الموصول ولام التعليل فيه لا
يكون عَلَى حقيقته لأنهم ما قَالُوا ذلك ليكون ذلك غمًا وحسرة عَلَى أنفسهم فوجب المصير إلَى
الْمَجَاز لأنه لما قَالُوا ذلك الْقَوْل وترتب عليه الحسرة كانت الحسرة لترتبها عليه كأنها الغرض من
قولهم ذلك ، وأن [قولهم] ذلك علة لها فاستعير له اللام تشبيهًا للحسرة بالغرض المترتب عَلَى
الشيء كما أن العداوة والحزن في قَوْله تَعَالَى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)
لما ترتبا عَلَى الالتقاط ترتب المعلول عَلَى العلة شُبِّهَا بالغرض من الالتقاط في
الترتب عَلَى الشيء وإن كان المقصود من الالتقاط التبني والمحبة لا ما يضادهما من العداوة
والحزن فاستعمل فيه اللام الموضوعة للتعليل عَلَى سبيل الاسْتعَارَة.