التَّوْرَاة لاخْتصَاصه بعلمائهم. قوله (بما نزلنا) وهو الْقُرْآن عبر عنه بالموصول تفخيمًا بإيهامه
أولًا وبمضمون الصلة ثانيًا وتحقيقًا من عنده ثالثًا .
قوله: (من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونجعلها على هيئة أدبارها، يعني الأقفاء)
من قبل أن نمحو الخ. وهذا لازم الْمَعْنَى الْمُرَاد بتخطيط الصور ما صوره الباري بإرادته
ولليَّة في وجه الْإنْسَان من الحاجب والأنف ونحوهما ومحوها ما ذكره المص أي إزالة
تخطيط الصور الْمَذْكُورة وتسوية الْوُجُوه وجعلها مثل أدبارها وهي القفا .
قوله: (أو ننكسها إلَى ورائها في الدُّنْيَا أو في الْآخرَة) معنى آخر له أخّره لأنه لا يلائم
الطمس وإن وافق قوله (فنردها عَلَى أدبارها) أي نجعل تخطيط الصور
والعيون في القفا [فتنقلب] صورهم [فتكون] مسخًا إما في الدُّنْيَا أو في الْآخرَة. هذا شامل
للوَجْهَيْن لا للأخير فقط كما يوهمه العبارة ، والفرق بين المَعْنَيَيْن أن في الأول اعتبر إزالة
تخطيط الصور وتغييرها وجعل الْوُجُوه كالقفا وهذا معنى (فنردها عَلَى أدبارها) فـ [حِينَئِذٍ] الفاء في
فنردها للتسبيب لأن تغير تخطيط الصور وإزالتها سبب لكون الْوُجُوه مثل الأدبار وإن أريد
بالرد عَلَى أدبارها ردها عَلَى أدبارها بعد إزالة التخطيط فيكون الفاء للتعقيب فيكون وعيدًا
بعقابين أحدهما عقيب الآخر بدون السببية ردها عَلَى أدبارها بعد الطمس، وفي الوجه الثاني
اعتبر رد الْوُجُوه إلَى أدبارها بدون تغيير تخطيط الصور بقرينة المقابلة فينكس الْوُجُوه إلَى
الخلف والقفا إلَى القدام .
قوله: (وأصل الطمس إزالة الأعلام الماثلة) بالثاء المثلثة أي المنصوبة في الطرق
علامة لها وحسن الظن بالمص أنه اطلع كون هذا الْمَعْنَى له في اللغة. وأشار به إلَى أن
الْمُرَاد بالطمس هنا مجاز بجامع الإزالة .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: من قبل أن نمحو. هذا عَلَى حمل الطمس عَلَى حقيقته وهو المحو فالمراد من طمس
الْوُجُوه محو تخطيط صورها، فإن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من المحاسن فإذا
أزيلت ومحيت كان ذلك طمسًا ومعنى قوله: (فنردها عَلَى أدبارها) والْوُجُوه إلَى
ناصية القفا جعلها مثل الأقفاء في العراء عن التخليط التي فيها وهذا إنما جعله الله عقوبة لما فيه
من التشويه في الخلقة والفضيحة لأن عند ذلك يعظم النعم والحسرة .
قوله: أو ننكسها. عطف عَلَى نحو النكس من نكست الشيء قلبته عَلَى رأسه فانتكس، والمراد
هنا قلب الْوُجُوه وردها نحو القفا. قوله وقد يطلق بمعنى الطلس من طلسه يطلسه فالطلس بالفارسية
[تأبديد كردن] فالطمس عَلَى كل من هذين المَعْنَيَيْن يناسب المحو ويجوز أن يراد بالطمس في الآية
معناه المجازي وهو أن يكون بمعنى مطلق القلب والتغيير، وطمس الْوُجُوه عَلَى هذا يحتمل معنيين:
أحدهما تقبيح صورهم يقال طمس الله وجهه كقولك قبح الله وجهه وهو المعني بقوله من قبل أن
نغير وجوهًا فتسلب وجاهتها الخ. والثاني إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها وهذا
هو الْمُرَاد من قوله: أو نردها إلَى حيث جاءت منه فقوله أو نردها عطف عَلَى نكسوها لا عَلَى
نغير وجوهًا .