قوله: (وقد يطلق بمعنى الطلس في إزالة الصورة) أي مَجَازًا بمعنى إزالة الصورة كما
فيما نحن فيه والطمس محو النقوش والصور.
قوله: (ولمطلق القلب) أي ويطلق بمعنى القلب.
قوله:(والتغيير لذلك قيل معناه من قبل أن نغير وجوهًا فنسلب وجاهتها، وإقبالها
ونكسوها الصَّغار والإدبار)والتغيير عطف تفسير وفي الكَشَّاف كما طمس أموال القبط
لقلبها حجارة فيكون المراد [حِينَئِذٍ] تغيير الصّفَة لا الهيئة فيفوت المُبَالَغَة؛ إذ تغيير الهيئة يستلزم
تغيير الصّفَة وعن هذا أخَّره.
قوله:(أو نردها إلى حيث جاءت منه، وهي أذرعات الشام يعني إجلاء بني النضير.
ويقرب منه قول من قال إن المراد بالوجوه الرؤساء)أي اسْتعَارَة شبهوا بها في الشرافة فقوله
أو نردها إلَى حيث جاءت الخ. مجاز عقلي. بني النضير من يهود المدينة وإخراجهم من
ديارهم إلَى أذرعات أرض الشام كان في زمن عمر رضي الله عنه.
قوله: (أو من قبل أن نطمس وجوهًا بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار ونصم الأسماع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ويقرب منه قول من قَالَ الخ. وجه قربه منه أنه قد وقع ذلك وهو تغيير الحال من
الوجاهة إلَى الصغار والذلة والرد إلَى حَيْثُ جاءوا منه عَلَى رؤسائهم ووجهائهم ويؤيده ما قال عبد
الرحمن بن زيد هذا الوعيد قد لحق الْيَهُود ومضى في إجلاء قريظة والنضير إلَى الشام فرد الله
وجوههم عَلَى أدبارهم حتى عادوا إلَى أذرعات [وأريحا] من أرض الشام.
قوله: (أو(من قبل أن نطمس) عطف عَلَى نغير وجوهًا، فالْمَعْنَى من قبل أن
نعمي الأبصار عن الاعتبار الخ. هذا الْمَعْنَى أَيْضًا عَلَى أن يراد بالطمس الْمَعْنَى المجازي الذي هُوَ
القلب والتغيير لكن هذا التغيير غير التغيير الْمَذْكُور المدلول عليه بالْمَعْطُوف عليه فإن ذلك تغيير
من العزة إلَى الذلة، وهذا من الهدى إلَى الضلال. قال الحسن الْمُرَاد يطمسها عن الهدى فيردها عَلَى
أدبارها أي عَلَى ضلالتها. والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات. قال الإمام: [تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي مَبْدَأِ خِلْقَتِهِ أَلِفَ هَذَا الْعَالَمَ الْمَحْسُوسَ، ثُمَّ عِنْدَ الْفِكْرِ وَالْعُبُودِيَّةِ كَأَنَّهُ يُسَافِرُ من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات، فقد أمه عَالَمُ الْمَعْقُولَاتِ، وَوَرَاءَهُ عَالَمُ الْمَحْسُوسَاتِ فَالْمَخْذُولُ هُوَ الَّذِي يُرَدُّ مِنْ قُدَّامِهِ إِلَى خَلْفِهِ كَمَا قال تعالى في صفتهم: (ناكِسُوا رُءُوسِهِمْ) الثَّانِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالطَّمْسِ الْقَلْبَ وَالتَّغْيِيرَ، وَبِالْوُجُوهِ: رُؤَسَاؤُهُمْ وَوُجَهَاؤُهُمْ، وَالْمَعْنَى مِنْ قَبْلِ أَنْ نُغَيِّرَ أَحْوَالَ وُجَهَائِهِمْ فَنَسْلُبُ مِنْهُمُ الْإِقْبَالَ وَالْوَجَاهَةَ وَنَكْسُوهُمُ الصَّغَارَ وَالْإِدْبَارَ وَالْمَذَلَّةَ. الثَّالِثُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: هَذَا الْوَعِيدُ قَدْ لَحِقَ الْيَهُودَ وَمَضَى، وَتَأَوَّلَ ذَلِكَ فِي إِجْلَاءِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ إِلَى الشَّامِ، فَرَدَّ اللَّه وُجُوهَهُمْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ حِينَ عَادُوا إِلَى أَذْرِعَاتَ وَأَرِيحَاءَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، كَمَا جَاءُوا مِنْهَا بَدْءًا، وَطَمْسُ الْوُجُوهِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَقْبِيحُ صُورَتِهِمْ يُقَالُ: طَمَسَ اللَّه صُورَتَهُ كَقَوْلِهِ: قَبَّحَ اللَّه وَجْهَهُ، وَالثَّانِي: إِزَالَةُ آثَارِهِمْ عَنْ بِلَادِ الْعَرَبِ وَمَحْوُ أَحْوَالِهِمْ عَنْهَا.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ تَعَالَى هَدَّدَهُمْ بِطَمْسِ الْوُجُوهِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَلَا إِشْكَالَ الْبَتَّةَ، وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى مَا جَعَلَ الْوَعِيدَ هُوَ الطَّمْسُ بِعَيْنِهِ، بَلْ جَعَلَ الْوَعِيدَ إِمَّا الطَّمْسُ أَوِ اللَّعْنُ فَإِنَّهُ قَالَ: أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَقَدْ فَعَلَ أَحَدَهُمَا وَهُوَ اللَّعْنُ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَوْ نَلْعَنَهُمْ وَظَاهِرُهُ لَيْسَ هُوَ الْمَسْخُ. الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: آمِنُوا تَكْلِيفٌ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ مُدَّةِ حَيَاتِهِمْ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا وَاقِعًا فِي الْآخِرَةِ، فَصَارَ التَّقْدِيرُ: آمِنُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَجِيءَ وَقْتٌ نَطْمِسُ فِيهِ وُجُوهَكُمْ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ. الثَّالِثُ: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أن قوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) خِطَابٌ مَعَ جَمِيعِ عُلَمَائِهِمْ، فَكَانَ التَّهْدِيدُ بِهَذَا الطَّمْسِ مَشْرُوطًا بِأَنْ لَا يَأْتِيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِيمَانِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَمْ يُوجَدْ لِأَنَّهُ آمَنَ عَبْدُ اللَّه بْنُ سَلَامٍ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَفَاتَ الْمَشْرُوطُ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ، وَيُقَالُ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَتَى عَبْدُ