والغفران خصوصًا لأهل الْكتَاب من أهل العدوان وبه يظهر وجه الارتباط إلَى ما قبله لذوي
العرفان. (أن يشرك) الْمُرَاد بالشرك مطلق الكفر. عَلَى خلود عذابه أي دوامه .
قوله:(لأنه بت الحكم على خلود عذابه وأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد
للعفو بخلاف غيره)وهو الشرك. قوله فلا يستعد للعفو إن أريد عدم الاستعداد لذاته فظاهره
ينافي ما سيأتي في أواخر سورة المائدة من عدم غفران الشرك مقتضى الوعيد فلا امتناع فيه
لذاته وإن أريد عدمه بناء عَلَى بت الحكم وقطعه عَلَى دوام عذابه وحكمه لا يتغير فهو
راجع إلَى الأول .
قوله: (أي ما دون الشرك صغيرًا كان أو كَبيرًا) أي الإشَارَة إلَى المفهوم ضمنًا. كَبيرًا
فيه استدراك عَلَى الكَشَّاف .
قوله: (تفضلًا عليه وإحسانًا) أي لمن يشاء معلق بالأخير بالفعلين أي لا يغفر ويغفر .
قوله: (وعلقه المعتزلة بالفعلين عَلَى معنى أن الله لا يغفر الشرك لمن شاء وهو من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأنه بت الحكم عَلَى خلود عذابه. علل انتفاء تعلق الغفران بالمشرك بعلتين: الأولى
استدلال باللازم عَلَى ثبوت الملزوم، والثانية عَلَى العكس. قال الإمام: في اتصال هذه الآية بما قبلها
أنه تَعَالَى لما هدد الْيَهُود عَلَى الكفر وبين أن ذلك التهديد لا بد من وقوعه لا محالة بين أن مثل
هذا التهديد من خواص الكفر فأما سائر الذنوب التي هي مغايرة للكفر فليس حالها كَذَلكَ بل هُوَ
سبحانه قد يغفرها ويعفو عنها فلا جرم قال . (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .
قوله: (لِمَنْ يَشَاءُ) تفضلًا عليه فإذا كان قيد التفضل معتبرًا في غفران ما دون
الشرك فلا بد أو يعتبر في نفي غفران الشرك حتى يرد النفي والْإثْبَات عَلَى محل واحد فيكون
الْمَعْنَى إنَّ اللَّهَ لا يغفر أن يشرك به تفضلًا. قال الإمام: هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ لَنَا عَلَى الْعَفْوِ عَنْ
أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ. ثم قال [وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَا مِنْ وُجُوهٍ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ مَعْنَاهُ لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ لِأَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ لَا يَغْفِرُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، وذلك عند ما يَتُوبُ الْمُشْرِكُ عَنْ شِرْكِهِ، فَإِذَا كَانَ قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِرُ الشِّرْكَ هُوَ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ هُوَ أَنْ يَغْفِرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ، حَتَّى يَكُونَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ مُتَوَارِدَيْنِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: فُلَانٌ لَا يُعْطِي أَحَدًا تَفَضُّلًا، وَيُعْطِيَ زَائِدًا فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يُعْطِيهِ تَفَضُّلًا، حَتَّى لَوْ صَرَّحَ وَقَالَ: لَا يُعْطِي أَحَدًا شَيْئًا عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ وَيُعْطِي أَزْيَدَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، فَكُلُّ عَاقِلٍ يَحْكُمُ بِرَكَاكَةِ هَذَا الْكَلَامِ، فَثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، لِأَنَّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ غُفْرَانَ الصَّغِيرَةِ وَغُفْرَانَ الْكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَاجِبٌ عَقْلًا، فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَيْهِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ إِلَّا حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى غُفْرَانِ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. الثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى قَسَّمَ الْمَنْهِيَّاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ: الشِّرْكُ وَمَا سِوَى الشِّرْكِ، ثُمَّ إِنَّ مَا سِوَى الشِّرْكِ يَدْخُلُ فِيهِ الْكَبِيرَةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ، وَالْكَبِيرَةُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالصَّغِيرَةُ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَى الشِّرْكِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَغْفُورٍ قَطْعًا، وَعَلَى مَا سِوَاهُ بِأَنَّهُ