قوله:(وكأنه قال إلا الَّذينَ يصلون إلَى قوم معاهدين أو قوم كافين عن القتال لكم
وعليكم)والحال أن ليس بينكم وبينهم ميثاق لحسن التقابل ثم عدم تعرضه بإتيانهم إلَى
الْمُسْلمينَ يجوز أن يكون إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالمجيئية لازمه.
قوله: (والأول أظهر لقوله(فإن اعتزلوكم) لأن اعتزلوكم يدل عَلَى أن ترك
التعرض متفرع عَلَى الاعتزال وترك القتال لا عَلَى الاتصال عن ترك القتال. نعم من اتصل
بالمعتزلين فهو من المعتزلين فيصح الإرادة بهذا الاعتبار لكن الظَّاهر الْمُتَبَادَر هُوَ الأول.
قوله: (وَقُرئَ بغير العاطف عَلَى أنه صفة بعد صفة) أي لقوم وجه كون الصّفَة
الأولى اسمًا لإفادة الدوام والثبات، وأما الثانية فإنما اخْتيرَت فعلًا لإفادته التجدد والانقطاع.
قوله: (أو بيان لـ يصلون) فحِينَئِذٍ إما جاء بمعنى يجيء أو يصلون بمعنى وصلوا وهو
الظَّاهر وهذا التوجيه جار في العطف أَيْضًا ثم وجه كونه بيانًا هُوَ أن الاتصال بالمعاهدين
حاصله الكف عن قتال الْمُسْلمينَ فصح أن يجعل مجيئهم إلَى الْمُسْلمينَ بهذه الصّفَة لكن
بين الانتهاء إلَى المجاهدين وبين المجيء إلَى الْمُسْلمينَ نوع تنافر. والْقَوْل بأن اللحوق إليهم
في الأول الحال والإتيان إلَى الْمُسْلمينَ في المآل بعيد.
قوله: (أو اسْتئْنَاف) جواب لسؤال كَيْفَ وصلوا إلَى المعاهدين كذا قيل. وهذا يقتضي
أن يكون الْمُرَاد بالوصول إليهم معنوي لا صوري وحسي وبهذا يندفع التنافر الْمَذْكُور.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
السبب الاتصال بالمعاهدين والكف عن القتال، لكن قوله: (فإن اعتزلوكم) يقرر أن
أحد السببين هُوَ الكف عن القتال فإنه لو كان عطفًا عَلَى الصّفَة لكان أحد السببين الاتصال بالكافين
لا الكف عن القتال والاتصال [بالكافين] وإن استلزم الكف الذي هُوَ السبب القريب لترك التعرض
لهم لكنه سبب بعيد وفي العطف عَلَى الصلة جعل سبب ترك التعرض السبب القريب فيكون أولى
ولذلك قال والأول أظهر. قال الإمام: جعل الكف عن القتال سببًا لترك التعرض أولى من حمل
الاتصال [على] الكف عن القتال سببا؛ إذ عَلَى التقدير الأول يكون الكف من القتال سببًا قريبًا لترك
التعرض وعلى التقدير الثاني يكون سببًا بعيدًا. أقول: وجه كونه بعيدًا أن كون الاتصال أن يكف عن
القتال سببًا إنما هُوَ لكونه مؤديًا إلَى السبب القرب الذي هُوَ الكف عن القتال وهذا الذي ذكرناه
هو قرينة عَقْليَّة حالية عَلَى أظهرية العطف عَلَى الصلة وهَاهُنَا قرينة أخرى مقالية وهي قوله عز
وجل: (فإن [اعتزلوكم] ) الآية. أقول: قوله عز وجل: (فإن [اعتزلوكم] ) الآية. وإن دل عَلَى الأول كَذَلكَ
يدل عَلَى الثاني لاستلزام الثاني الكف الذي هُوَ السبب القريب لترك القتال فلعله لم يلتفت إلَى
اعتبار السبب البعيد عَلَى أنه قال أظهر تَجْويزًا لذلك. قوله: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ)
حصرة عَلَى وزن حذرة وحصرات بالجر في موقع النصب عَلَى الحال وهاتان القراءتان تدلان عَلَى
أن (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) في موقع الحال بعد المقدرة لأن القراآت يتعاضد بعضها ببعض. قوله أو
بيان لـ (جاءوكم) عطف عَلَى حال يعني أو يكون جملة (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) اسْتئْنَافًا
واردًا لبيان جملة جاءوكم فإنه قيل كَيْفَ حالهم في مجيئهم فقيل: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ)
أي حالهم في مجيئهم أنهم ضاقت قلوبهم وانقبضت عن قتالكم وقتال قومهم.