قوله: (فإن أباه وقومه) الظَّاهر أنه تعليل لكونه تفصيلًا بقرينة قوله من طريق النظر
والاستدلال ويحتمل اتصاله بكلا الوَجْهَيْن، وأما التَّخْصِيص بالأخير فيؤدي إلَى التكليف.
قوله: (كانوا يعبدون الأصنام والكواكب) قيل إن عبادتهم في الأصل الكواكب ولما
كان حالها الغروب والطلوع صوروا الأصنام بصور الكواكب من المعادن المنسوبة إليه
كالذهب للشمس والفضة للقمر ليقربوا إليها، فالصنم كالْقبْلَة لهم فيعبدونها كذا في المعالم
ملخصًا (فأراد أن ينبههم عَلَى ضلالتهم) .
قوله: (ويرشدهم إلَى الحق من طريق النظر والاستدلال) أي يعرفهم أن النظر
الصحيح مؤد إلَى أن شيئاً منها لا يصح أن يكون إلهًا لقيام دليل الحدوث فيها، وأن لها
صانعًا أحدثها وصنعها ومدبرًا طلوعها وأقولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها كذا في
الكَشَّاف، وإلى هذا التَّفْصيل أشار المص بقوله من طريق النظر متعلق بالفعلين تنازعا.
قوله: (وجن عليه الليل) وكذا فيه الليل، والفرق بأن معنى الأول (ستره بظلامه)
والثاني ستره بلا اعتبار الظلام ضعيف؛ إذ الليل عبارة عن زمان الظلام.
قوله: (والكوكب) وزنه فوعل عند البصريين فالواو زائدة وأصوله الكافان والباء.
قوله: (كان الزهرة) إشَارَة إلَى أن التعيين خلاف الظَّاهر (أو المشتري) .
قوله: (وقوله هذا ربي) جواب إشكال بأن النَّبيّ الجليل لا سيما سيدنا الخليل عليه
السلام كَيْفَ يصدر منه هذا مع أنه كفر فأجاب بجوابين.
قوله: (عَلَى سبيل الوضع) أي عَلَى سبيل الفرض لأجل الإبطال. الوضع سوق مقدمة
في الدليل لا يعتقدها لكونها مسلمة عند غيره لأجل إلزامه وهو مصطلح أهل الجدال وهذا
ممدوح لغير الطالبين للحقائق فإن ذلك أنفع لتسكين لهبهم وتبيين شغبهم قال تَعَالَى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) الآية. فإن المنصف يحكي قول خصمه كما
هو غير متعصب لأن ذلك أدعى إلَى الحق ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة كما في
الكَشَّاف، وإلى هذا البيان أشار المص بقوله (فإن المستدل عَلَى فساد قول) لكن بيان
الكَشَّاف أوضح في تبيين المرام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقوله (هذا ربي) عَلَى سبيل الوضع. أي قوله (هذا ربي) كلام واقع
على سبيل المناظرة من واضعت الرجل في أمر إذا ناظرته فيه. قَالَ الإمام:[لَمْ يَقُلْ هَذَا رَبِّي عَلَى سَبِيلِ الْإِخْبَارِ، بَلِ الْغَرَضُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُنَاظِرُ عَبَدَةَ الْكَوْكَبِ وَكَانَ مَذْهَبُهُمْ أَنَّ الْكَوْكَبَ رَبُّهُمْ وَإِلَهُهُمْ، فَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَلِكَ الْقَوْلَ الَّذِي قَالُوهُ بِلَفْظِهِمْ وَعِبَارَتِهِمْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ فَيُبْطِلُهُ، وَمِثَالُهُ: أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا إِذَا نَاظَرَ مَنْ يَقُولُ بِقِدَمِ الْجِسْمِ، فَيَقُولُ:
الْجِسْمُ قَدِيمٌ؟ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلِمَ نَرَاهُ وَنُشَاهِدُهُ مُرَكَّبًا مُتَغَيِّرًا؟ فَهُوَ إِنَّمَا قَالَ الْجِسْمُ قَدِيمٌ إِعَادَةٌ لِكَلَامِ الْخَصْمِ حَتَّى يُلْزِمَ الْمُحَالَ عليه، فكذا هاهنا قَالَ: هَذَا رَبِّي وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ حِكَايَةُ قَوْلِ الْخَصْمِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ) وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْجَوَابِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّهُ تَعَالَى دَلَّ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ عَلَى هَذِهِ الْمُنَاظَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ) ].