قوله: (يحكيه عَلَى ما يقوله الخصم) هذه الحكاية تقديرية كأنه قيل قلتم هذا ربنا
لكن الحكاية تركت لما بينا من أنه أدعى إلَى الحق (ثم يكر عليه بالإفساد) .
قوله: (أو عَلَى وجه النظر والاستدلال) . أما أولًا فلأن هذا بناء عَلَى أن الْمُرَاد الاستدلال
لنفسه أو لها ولقَوْمه، وقد بانَ أن الْمُرَاد الاستدلال عَلَى قومه فقط، وأما ثانيًا فلأن هذا الْقَوْل عن
اعتقاد لا يناسب منصب الرسالة ولو كان قبل التكليف، وأما ثالثًا فلأن هذا مبني عَلَى تفسير
الملكوت بعجائبها وتفسير الرؤية بالبصر وقد كان هذا مرجوحًا عنده، وأما رابعًا فلأنه لا يلائم ما
قرره في قَوْله تَعَالَى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ) الآية. حيث قال هناك
من قبل بلوغه فَكَيْفَ يصدر مثل هذا الْقَوْل ممن أوتي الرشد من قبل البلوغ، فالأَوْلَى الاكتفاء
بالأول كالزَّمَخْشَريّ واختاره أبو السعود المرحوم.
قوله: (وإنما قاله زمان مراهقته) أي قبل بلوغه.
قوله: (وأول أوان بلوغه) أي أول زمان مهلة النظر حال أول البلوغ قبل تمام الحجة.
وفي ذلك الزمان لا يتحقق كفر ولا إيمان كسبي إلا فطرة الإيمان. هذا في غير الْأَنْبيَاء مسلم
وأما فيهم فليس بمسلم لا سيما في شأن الخليل عَلَيْهِ السَّلَامُ فإنه أعطي الرشد قبل البلوغ
كما عرفته، والْمُرَاد من هذا دفع إشكال وقد ظهر ما قررنا ضعفه ووهنه. وقد جوز أن يكون
الْمَعْنَى عَلَى الاسْتفْهَام أي [أهذا ربي] والمص لم يلتفت إليه لكون التقدير خلاف الظَّاهر مع
ظهور الوجه الأوجه أي غاب.
قوله: (فضلًا عن عبادتهم) أَشَارَ إلَى نكتة العدول عن قوله لا أعبد الآفلين وهو
المُبَالَغَة في نفي العبارة وإيراد المظهر مع كونه جمعًا مُبَالَغَة بعد المُبَالَغَة؛ إذ الظَّاهر لا أحبه.
قوله: (فإن الانتقال والاحتجاب بالأستار) احتراز عن الاحتجاب [للتعزز] والكبرياء لا
يوصف الله تَعَالَى بأنه محجوب لأنه لو حجبه شيء لكان ساترًا له وكل ساتر لشيء فهو له
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ثم يكر عليه أي ثم يرجع عليه بالإفساد. وهذا الوجه مبني عَلَى أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ قال ذلك
بعد بلوغه إلَى كمال العقل. وقوله أو عَلَى وجه النظر والاستدلال مبني عَلَى أنه قال ذلك قبل بلوغه.
وتقريره أن يقال قد خص إبْرَاهيم بالعقل الكامل والقريحة الصافية فخطر بباله قبل بلوغه إثبات الصانع
سبحانه فتفكر فرأى النجم فقال: (هذا ربي) فلما شاهد حركته قال(لا أحب
الآفلين)فقول المص: وإنَّمَا قال ذلك زمان مراهقته وأول أوان بلوغه منصرف إلَى هذا
الوجه الأخير. وفي الكَشَّاف: وقيل هذا كان نظره واستدلالته في نفسه فحكاه الله. والأول أظهر لقوله:
(لئن لم يهدني ربي) قوله قرينة عَلَى أظهرية الأول لكون الْجُمْلَة مؤكدة بالقسم
ونون التَّأْكيد ولقوله (من القوم الضالين) لأن إبْرَاهيم وإن اختلج في قلبه تردد ما لا
تبلغ تردده أن يبالغ في ضلاله بهذه المُبَالَغَة وكذا قوله: (ربي) بإضافة الرب إلَى
نفسه قرينة عَلَى أن ليس هذا [نظره] واستدلالته في نفسه فإنه يدل عَلَى ثبوت وجود الصانع عنده قبل
استدلالته فحِينَئِذٍ لا يحتاج إلَى الاستدلال. وأقول وأظهر الدلائل عَلَى أن الْمُرَاد الوجه الأول قوله
تَعَالَى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) .