فهرس الكتاب

الصفحة 3916 من 10841

يقولوا رؤية الله تَعَالَى ممتنعة لنفيه تَعَالَى بقوله الأعلى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) ولأن ما يمدح

بعدمه يكون وجوده نقصًا يجب تنزيه الله تَعَالَى عنه، وتارة استدلوا به عَلَى عدم وقوعها لأن

الأبصار إنما يتعلق بما كان في جهة أصلًا أو تابعًا كالأجسام والهيئات واقتصر المص عَلَى

الامتناع لأنه مَشْهُور. وأجاب بالوقوع تارة بإبطال عدم فيكون فيه [حِينَئِذٍ] صنعة الاحتباك، وتارة

بإبطال الامتناع بقوله مع أن النفي لا يوجب الامتناع والامتناع في قَوْله تَعَالَى: (لم يلد)

إنما هُوَ بدليل خارجي كما مَرَّ تفصيله آنفًا. وقيل والحق في الْجَوَاب كما

دلت عليه الأحاديث أنه لا يرى بأعمال الحاسة، وإنما يرى بقوة يخلقها الله تَعَالَى بمحض

قدرته في العبد وفيه خفاء ؛ إذ إشكال المعتزلة كما مَرَّ أن الأبصار إنما يتعلق بما كان في

جهة ولا يندفع هذا الإشكال به، وأَيْضًا النزاع في الرؤية بعين الرأس وقد قيل في تفسير الآية

(لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) في الدُّنْيَا وهو يرى في الْآخرَة ويخدشه أن نبينا عليه

الصلاة وَالسَّلَامُ رأى بعين الرأس في ليلة المعراج وإن اختلف فيه .

قوله: (لأنه ليس الإدراك مطلق الرؤية) أي سواء كان عَلَى وجه الإحاطة والوصول

إليه أو لا بل الإدراك عبارة عن الإحاطة بالشيء كما أشار إليه أولًا بقوله لا تحيط به، ولا

يلزم من نفي الخاص نفي العام فإن أردتم بقولكم لنفيه تَعَالَى نفي الرؤية بخصوصها فلا

نسلم الصغرى والسند ما مَرَّ. وإن أردتم به في الإدراك مُطْلَقًا فلا نسلم الكبرى .

قوله: (ولا النفي في الآية عامًا في الأوقات) أي سلمنا أن الإدراك مطلق الرؤية لكن

لا نسلم عموم الأوقات.

قوله: (فلعله مَخْصُوص ببعض الحالات) كالاسْتغْرَاق في استيفاء اللذات الجسمانية

وإذا جاز كونه مَخْصُوصًا ببعض الحالات ظهر جواز كون النفي مَخْصُوصًا ببعض الأوقات

فالفاء في فلعل للتعليل لا للتفريع.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

أصلًا أو تابعًا كالأجسام والهيئات. [تم] كلامه. هذا رد عَلَى أهل السنة أبلغ رد لأنه يفيد أن الأبصار لا

[تتعلق] به لا بالإحاطة ولا بغير الإحاطة، وإن أهل السنة قَالُوا بالثاني دون الأول. قال الزجاج: معنى

هذه الآية نفي إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته وهذا مذهب أهل السنة لأن أحدًا من خلقه لا يدرك

المخلوق بحقيقته بكنهه فَكَيْفَ به جل جلاله، فالأبصار لا [تحيط] به وقال الإمام: المرئي إذا كان له

حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده سمي إدراكًا ، فالحاصل أن الرؤية حتى تحته نوعان: رؤية

مع إحاطة، ورؤية ليست معها إحاطة، فنفي الإدراك يفيد نوعًا واحدًا وهو لا يفيد نفي الجنس. وقال

الواحدي رحمه الله: يصح أن يقال رآه وما أدركه فالأبصار ترى الباري سبحانه ولا تحيط به كما أن

الْقُلُوب تعرفه ولا تحيط به. وقال الإمام: [هَبْ أَنَّ الْإِدْرَاكَ بِالْبَصَرِ عِبَارَةٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ، لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ أَنَّ قَوْلَهُ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ يُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ عَنْ كُلِّ الْأَشْخَاصِ وَعَنْ كُلِّ الْأَحْوَالِ وَفِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ؟ وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى عُمُومِ النَّفْيِ فَمُعَارَضٌ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ عَنْ جَمْعِ الْقِلَّةِ مَعَ أَنَّهَا لَا تُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ بَلْ نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعُمُومَ إِلَّا أَنَّ نَفْيَ الْعُمُومِ غَيْرٌ، وَعُمُومَ النَّفْيِ غَيْرٌ، وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُفِيدُ إِلَّا نَفْيَ الْعُمُومِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ نَفْيَ الْعُمُومِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْخُصُوصِ] .

ومحصول ما ذكره المص هَاهُنَا بقوله

لأنه ليس الإدراك مطلق الرؤية ولا النفي في الآية عامًا هُوَ ما قرره الإمام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت