وغير ذلك كونها راجعة إلَى النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أولى ليتضح وغناه وعناه المجاهدة في إرشاد العباد
وتكميل الزهاد والعباد وشرحا لا يخفى عَلَى أحد من أهل الرشاد.
قوله: (وبعد) شروع في بيان سبب تأسيس الْكتَاب مع توفيق الله الملك الوهاب .
قوله: (فإن أعظم العلوم) أي العلوم المدونة سواء كان الْمُرَاد بها المسائل أو
التصديقات أو الملكة والظَّاهر الأول لأنه الْمَشْهُور المعول .
قوله: (مقدارًا) أي قدرا، والْمُرَاد به المنزلة والرتبة والظَّاهر أن الْمُرَاد العلوم الشرعية
إذ الْمُتَبَادَر من العلوم الشرعية لا سيما إذا ذكرت في بيان العلم الشرعي، ولا ريب في كون
علم التَّفْسير أعظمها لأن موضوعه الْقُرْآن لأنه يبحث فيه عن أحواله الذاتية وهو أصل في
الإيمان فإن الإيمان لا يتم بدونه إما من جهة الذات أو من جهة الاعتداد فإن الإيمان
بوجود الباري وعلمه وقدرته وكلامه وتصديق النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بالمعجزات وإن لم يتوقف عَلَى
الشرع من جهة الذات كما في التوضيح لتوقف الشرع عليه لكنها بما توقف عَلَى النوع من
جهة الاعتداد ولذا قال المص في سورة القتال في قوله تَعَالَى:(وآمنوا بما نزل عَلَى
مُحَمَّد)، تَخْصيص به إشعارا بأن الإيمان لا يتم بدونه وأنه الأصل فيه ومعلومه
مع أنه مراد الله تَعَالَى الدال عليه كلامه جامع للعقائد الحقة كلها والأحكام الشرعية بأسرها
كما قال الله تَعَالَى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكتَابَ تبيانًا لكل شيء) وغايته التمسك
بحَبْل اللَّه المتين والفوز بالسعادة والفضل المبين وقد صرح في موضعه أن جهات شرف
العلم ثلاثة شرف موضوعه ومعلومه وغايته واختار صاحب المواقف شرف حجيته بدل
شرف مسائله ومعلومه واعتذر قدس سره بأن كون مسائل العلم أقوم فراجع إلَى أقومية
الدلائل ووثاقتها ومن عد المعلوم من جهات شرف العلم فقد نظر إلَى أنها مقصودة من
الدلائل وهي إنما اعتبرت لأجلها فلا إشكال بأن موضوع علم الْكَلَام ذات الله وصفاته
تَعَالَى فيكون علم الْكَلَام أشرف العلوم ؛ إذ قد عرفت أن كلام الله تَعَالَى مشتمل عَلَى
الاعتقادات الحقة والتوحيد الذي هُوَ أس الاعتقادات فيندرج في موضوعه موضوع الْكَلَام
على أن الْمُخْتَار أن موضوعه المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية فلا ريب في
أشرفية الْقُرْآن من ذلك وكلام المص مبني عليه عَلَى أن الأعظم يتعدد بالاعتبار فيجوز تعدد
أشرفية العلوم بجهة مختلفة وهما أشرف كما عداهما.
قوله: (وأرفعها شرفًا ومنارًا) الشرف علو القدر وكون الْمُرَاد علو المكان عَلَى
الاسْتعَارَة ضعيف؛ لأن كون الشرف علو المكان الحسي مَجَازًا وعلو المكان المعنوي عين
علو القدر والمنار محل النَّار والنور ؛ إذ النَّار الخالص عن الدخان هُوَ النور وهو الْمُرَاد هنا
وفيه تشبيه العلم بالنور وهو الشائع في الاسْتعْمَال المحفوظ في الصدور والْمُخْتَار كالمنارة
كونهما مَوْضع الآذان مرادًا به الدليل لا يناسب المقام وهذا يوافق ما قبلها مآلًا بل عينه
مرجعًا وإن كان مغايرا مفهوما والأعظم والأرفع مُسْتَعَاران في مثله .