أن نفيه عَلَى الْحَقيقَة وثبوته عَلَى الْمَجَاز بلا شبهة انتهى. وفهم منه أن الأمر عكس ما ذكرناه
لكن هذا ينحل بما ذكرناه نقلًا [عن] الآمدي وأن الأصوب ما قررناه. وبالْجُمْلَة أن للناظرين في
هذا المقام كلمات شتى بحَيْثُ يتحير أولو النّهي والعلم عند الله الملك الأعلى.
قوله: (ولكن الله رمى) هذا أبلغ وآكد من ولكن رمى الله وإن كان ظَاهر السوق
يقتضي ذلك.
قوله:(أي أتى بما هو غاية الرمي فأوصلها إلى أعينهم جميعًا حتى انهزموا وتمكنتم
من قطع دابرهم)أي أن الرمي مطلق أُريد فرده الكامل المؤثر ذلك التأثير كما يطلق الْإنْسَان
ويراد به الكامل في الْإنْسَانيَّة قيل وفيه نظر لأن المطلق ينصرف إلَى الفرد الكامل ليتبادر منه
وأما ما جرى عَلَى خلاف العادة وخرج عن طوق البشر فلا يتبادر حتى ينصرف إليه بل ليس
من إفراده فتأمل هذا عجب منه؛ إذ معنى كون الفرد كاملًا، كَمَا صَرَّحَ قدس سره في حاشية
المطول أن الفرد يترقى في الْكَمَال إلَى حد صار معه كأنه الجنس كله وما عداه ملحق
بالعدم وما جرى عَلَى خلاف العادة أخرى وأولى بذلك ثم لو سلم عدم كونه من أفراده فلا
بد من أن يكون فردًا من أفراد جنس ما. فأي جنس ذلك هل هذا إلا سهو عظيم وخبط
جسيم فذلك الرمي الأكمل فعل اللَّه تَعَالَى خلقًا وفعل الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ كسبًا، فالظَّاهر أن
إسناده إليه تَعَالَى مجاز عقلي وإلى الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ حَقيقَة عَقْليَّة كما أوضحناه آنفًا.
قوله: (وقد عرفت أن اللَّفْظ يطلق عَلَى المسمى) أي في قَوْله تَعَالَى:(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ)الآية. يطلق عَلَى المسمى وبهذا الاعتبار أسند الرمي
إليه عَلَيْهِ السَّلَامُ لتحقق أصل الرمي ومسماه فيه عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قوله: (وعلى ما هُوَ كماله) وبهذا الاعتبار سلب الرمي الكامل عنه عليه السلام.
قوله: (والمقصود منه) عطف عَلَى كماله.
قوله:(وقيل معناه ما رميت بالرعب؛ إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في
قلوبهم)فلا تدافع حِينَئِذٍ قطعًا لكن فيه خلاف الظَّاهر من وَجْهَيْن: الأول اعتبار الْمَفْعُول في
مَوْضع مغايرًا لاعْتبَار الْمَفْعُول في فعل آخر مما يخل بسبك الْكَلَام وفهم المرام لا سيما إذا
عدمت القرينة عَلَى ذلك المقام والثاني كون أحد الفعلين مَجَازًا والآخر حقيقيًا وعن هذا
مرضه وزيفه.
قوله: (وقيل إنه نزل في طعنة طعن بها أُبي بن خلف يوم أحد ولم يخرج منه دم)
هكذا أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والزهري كذا قيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقيل إنه نزل في طعنة الخ. وذلك أن أُبي بن خلف أتى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - [بعظم] رميم وفته وقال
يا مُحَمَّد: من يحيي هذا وهو رميم؟ فقال عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يحييه اللَّه ثم يميتك ثم يحييك ثم
يدخلك النَّار، فأُسر يوم بدر فلما افتدى قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن عندي فرسًا أعلفها كل يوم فرقًا من ذرة
كي أقتلك عليه فقال عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بل أنا أقتلك إن شاء الله فلما كان يوم أحد أقبل أُبي يركض