أحوال الْمَوْصُوف. والْمَعْنَى واتقوا فتنة مقولًا فيها لا تصيبن ونهي الفتنة من الإصابة كناية
عن نهي العقلاء عن التعرض للظلم كما سيشير إليه، ولما كان في هذا الوجه تكلف بعد
تكلف أخَّره عن كونها للنفي إشَارَة إلَى ضعفه.
قوله: (كقوله) أي الشاعر لا يعرف قائله.
قوله: (حتى إذا جن الظلام واختلط) قيل وفي كامل المبرد تختص التشبيه وربما أومأ
إليه كما قال أحد [الرجار] :
بتنا بحسّان [ومعزاه تئطّ ... ما زلت أسعى بينهم وألتبط]
حتى إذا كان الظلام يختلط
قوله: (جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط) يقول إنه في لون الذئب لأن اللَّبَن إذا
خلط بالماء ضرب إلَى الغيرة والمذق بفتح الميم وسكون الذال الْمُعْجَمَة وقاف اللَّبَن
المخلوط بالماء وقط لاستيعاب الْمَاضي وهي مشددة لكنها مخففة للوقف عليها وما رواه
الْمُصَنّف مخالف لرواية المبرد في المصراع الأول واختلط أي اختلط بما فيه لشدة ظلمته
واختلط بالخاء الْمُعْجَمَة ويصح إهماله أي بالغ في ظلمته يعني أن من رأى اللَّبَن يخطر بباله
لون الذب لشدة شبهه به فإن هذا اللَّبَن يشبه لونه وهو من بديع التشبيه كما في قول بعض
المتأخرين:
قام يسقط شمعة ... فهل رأيت البدر قط
قوله: (وَإما جواب قسم محذوف كقراءة من قرأ لتصيبن الَّذينَ) فحِينَئِذٍ يراد بوبال
الفتنة العذاب الأخروي ولا يرد أن بين القراءتين ومعناهما تدافعا كما أوضحناه آنفًا وهذه
القراءة قراءة علي وزيد بن ثابت وأبي مسعود رضي الله عنهم.
قوله: (إن اختلفا في الْمَعْنَى) نفيًا وإثباتًا، وإنما تعرضه مع ظهوره ردًا عَلَى من
جعلهما بمعنى إما بجعل المثبت منفيًا بادعاء أن أصله لا تصيبن حذف ألفه أو بجعل المنفي
مثبتًا بادعاء أن أصله لتصيبن فطول ولظهور ضعفه لم يلتفت الْمُصَنّف إليه.
قوله: (ويحتمل أن يكون نهيًا بعد الأمر باتقاء الذنب عن التعرض للظلم) نهيًا أي
نهيًا للمخاطبين بطَريق الكناية وإن كان نهيًا للفتنة صريحًا كما في صورة كونه صفة للفتنة
والفرق هُوَ أن هذا بناء عَلَى كونه نهيًا مستأنفًا وما مَرَّ بناء عَلَى كونه صفة للفتنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
أنشده ابن جني في [[ذم المحتسب] ]. المذق اللبن المخلوط بالماء وفي الأصل خلط الماء باللَّبَن
الاستشهاد في جعل الإنشاء وهو قوله هل رأيت الذئب قط. صفة لمذق بتأويل تقدير الْقَوْل أي
بمذق مقول في حقه هل رأيت الذنب قط يعني إن رأيت الذنب تعرف أن لون هذا المذق كلون
الذئب حين كونه ممزوجًا بالماء وتقدير الْقَوْل في الصّفَة إنما احتيج إليه وهو إنما يجري في
الْإخْبَار لكون الصفات قبل العلم بها إخبارًا كما أن الأحبار بعد العلم بها صفات له.
قوله: عن التعرض صلة نهيًا أي نهيًا عن التعرض للظلم بعد الأمر باتقاء [الذئب] .